السبت 17 ذو القعدة 1445 هـ الموافق 25 مايو 2024 م
حادثة معبر نصيب : فقه التعامل مع الأزمة
الأحد 23 جمادى الآخر 1436 هـ الموافق 12 أبريل 2015 م
عدد الزيارات : 3798


{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النور: 19].
فإن إشاعة الفاحشة قد تكون أعظم من الفاحشة نفسها..
لقد بدأ يتبارى الناس بشكل محموم في نقل خبر نهب معبر نصيب أكثر من نشاطهم في نقل الانتصارات!

 


الذي ساءني أكثر من الحدث نفسه، هو ما رأيته على صفحات الفيس، حيث راح كل واحد يتفنن في انتقاء الصور وعرضها على صفحته الشخصية، ثم يكتب: هؤلاء لا يستحقون النصر.. وآخر: أهؤلاء الفاتحون.. وآخر: أين الحياء.. إلخ
أهو استعجال من أجل تبرئة الساحة الشخصية..!؟ أم حتى يقال أنه شريف زمانه وحكيم أوانه!!؟
فهل مثلُ هذا ينشرُ فضيلةً.. أو يقلِّل مفسدةً.. أو يؤخِّر شرًّا
يقول ابن كثير في تفسير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ۚ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}: "وهذا تأديب ثالث لمن سمع شيئا من الكلام السيئ، فقام بذهنه منه شيء ، وتكلم به ، فلا يكثر منه ويشيعه ويذيعه ، فقد قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا}  أي: يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح، {هُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا} أي: بالحد، وفي الآخرة بالعذاب، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} أي: فردوا الأمور إليه ترشدوا".
ويقول ابن عاشور: "وجُعل الوعيد على المحبة لشيوع الفاحشة في المؤمنين تنبيهًا على أن محبة ذلك تستحق العقوبة لأن محبة ذلك دالة على خبث النية نحو المؤمنين . ومن شأن تلك الطوية أن لا يلبث صاحبها إلا يسيرًا حتى يصدر عنه ما هو محب له أو يُسَر بصدور ذلك من غيره ، فالمحبة هنا كناية عن التهيؤ لإبراز ما يحب وقوعه . وجيء بصيغة الفعل المضارع للدلالة على الاستمرار . وأصل الكناية أن تجمع بين المعنى الصريح ولازمه فلا جرم أن ينشأ عن تلك المحبة عذاب الدنيا وهو حد القذف وعذاب الآخرة وهو أظهر لأنه مما تستحقه النوايا الخبيثة .
ومن أدب هذه الآية أن شأن المؤمن أن لا يحب لإخوانه المؤمنين إلا ما يحب لنفسه ، فكما أنه لا يحب أن يشيع عن نفسه خبر سوء كذلك يجب عليه أن لا يحب إشاعة السوء عن إخوانه المؤمنين .
ولشيوع أخبار الفواحش بين المؤمنين بالصدق أو بالكذب مفسدة أخلاقية فإن مما يزع الناس عن المفاسد تهيبهم وقوعها وتجهمهم وكراهتهم سوء سمعتها وذلك مما يصرف تفكيرهم عن تذكرها بله الإقدام عليها رويدًا رويدًا حتى تنسى وتنمحي صورها من النفوس ، فإذا انتشر بين الأمة الحديث بوقوع شيء من الفواحش تذكرتها الخواطر وخف وقع خبرها على الأسماع فدب بذلك إلى النفوس التهاون بوقوعها وخفة وقعها على الأسماع فلا تلبث النفوس الخبيثة أن تقدم على اقترافها وبمقدار تكرر وقوعها وتكرر الحديث عنها تصير متداولة .
هذا إلى ما في إشاعة الفاحشة من لحاق الأذى والضر بالناس ضرًا متفاوت المقدار على تفاوت الأخبار في الصدق والكذب .
ولهذا ذيل هذا الأدب الجليل بقوله : {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ}: أي يعلم ما في ذلك من المفاسد فيعظكم لتجتنبوا وأنتم لا تعلمون فتحسبون التحدث بذلك لا يترتب عليه ضر وهذا كقوله:{وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا  وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ } [النور: 15 ]".
وقال الشيخ السعدي رحمه الله :
"{إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ} أي: الأمور الشنيعة المستقبحة المستعظمة، فيحبون أن تشتهر الفاحشة، {فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} أي: موجع للقلب والبدن، وذلك لِغِشِّهِ لإخوانه المسلمين، ومحبة الشر لهم، وجراءته على أعراضهم، فإذا كان هذا الوعيد، لمجرد محبة أن تشيع الفاحشة، واستحلاء ذلك بالقلب، فكيف بما هو أعظم من ذلك، من إظهاره، ونقله؟" وسواء كانت الفاحشة، صادرة أو غير صادرة.
وكل هذا من رحمة الله بعباده المؤمنين، وصيانة أعراضهم، كما صان دماءهم وأموالهم، وأمرهم بما يقتضي المصافاة، وأن يحب أحدهم لأخيه ما يحب لنفسه، ويكره له ما يكره لنفسه، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}، فلذلك علَّمكم، وبيّن لكم ما تجهلونه.