الخميس 16 شوّال 1445 هـ الموافق 25 أبريل 2024 م
فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة
الثلاثاء 21 ربيع الآخر 1436 هـ الموافق 10 فبراير 2015 م
عدد الزيارات : 2763

إن الأمة تعيش فتنًا  ومحنًا  وتمحيصًا  وتمر بأزمات كبار قد علمها القاصي والداني، وأحاط بخبرها الذكي والبليد!

وعلى المسلم -وإن كان لا يملك إلا نفسه- واجب تجاه ذلك، أوله أن يستشعر المصاب، وأن يبذل في تخفيفه أو رفعه ما تيسر من الأسباب، ولو بالدعاء.
غير أن الناس في واقعهم بين غلاة وجفاة:
- أما الجفاة فهم الذين لا يلتفتون لمصائب إخوانهم، ولا يبذلون في رفع الظلم والعدوان عنهم ما آتاهم الله ويسره لهم!
فلا استشعار لمصاب إخوانهم، وكأنهم من جسد غير الجسد الإسلامي الواحد، لا علاقة لهم ببنيانه، وقد يكون ثمت استشعار وحب وبغض، لكن معه تقصيرًا  في البيان والبذل، وهو من جملة الجفاء.
- وأما الغلاة فيجعلون النازلة المعينة، أو الجراح القريبة، هي الأمر الشاغل، فكل الوسع يجب أن يبذل فيها، وكل الوقت ينبغي أن يصرف إليها، وكأن الواجبات الشرعية وقفت عند تلك القضايا أو بعضها!
فثمت طرفان: طرف لا يبذل وسعه في قضايا المسلمين وبإمكانه أن يبذل، وطرف يريد أن يبذل كل الوسع في قضية واحدة أو بضع قضايا وإن تعطلت واجبات أخرى! غير داخلة في دائرة اهتمامه.
الاعتدال أن يتبصر المسلم في واقعه وأن يعلم الواجبات تجاهه ثم يبذل في كل واجب منها ما يستطيعه من غير حرج ولا مشقة، ثم لا بأس بعد ذلك -إن هو قام بالقدر الواجب في الجملة- أن يقدم شيئًا  أو يشتغل بأمر يرى أن بذله فيه أنفع، وأن قدرته عليه أكمل.
وفرعٌ عمّا تقدم، تثار حول العلوم الشرعية وأولية الاشتغال بها إشكالات حول مناسبتها في أوقات الأزمات، لاسيما أن ثمت أحكامًا شرعية تتعلق بأمور قل وجودها في هذا الوقت أو انعدمت، وربما أصبحت تحارب بأنظمة دولية وتُجرَّم.
وهنا يتساءل بعض الناس ما فائدة الحديث عنها؟ أليس الأولى أن نشتغل بما يمس الواقع؟ لماذا تشرحون حديث إباق العبد، أو أحكام الرق، وليس ثمت اليوم عبيد؟!
ألم يكن الأجدى أن يبذل هذا الوقت في موضوع أكثر فائدة للناس؟
وهذه التساؤلات تقع من طيبين، ولكن ينبغي أن يتفطن إلى أنها كذلك تقع من خبثاء جفاة لا يعنيهم أمر إخوانهم المسلمين!
وأرتب الحديث عنها في المسائل الثلاث الآتية:
أولًا: لا شك أن العناية بما يمس واقع الناس ويتعلق بحاجتهم اليومية أو الضرورية أو أمورهم الراهنة له أولية على غيره، وليس من الفقه أن تنزل بالمسلمين نازلة، فتقيم محاضرة في حكم بيع أمهات الأولاد مثلًا ، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أرشد للدعوة بتقديم الأهم، كما في حديث الصحيحين: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- لِمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ حِينَ بَعَثَهُ إِلَى الْيَمَنِ: (إِنَّكَ سَتَأْتِي قَوْمًا  أَهْلَ كِتَابٍ، فَإِذَا جِئْتَهُمْ فَادْعُهُمْ إِلَى أَنْ يَشْهَدُوا أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا  رَسُولُ اللَّهِ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَضَ عَلَيْهِمْ صَدَقَةً تُؤْخَذُ مِنْ أَغْنِيَائِهِمْ فَتُرَدُّ عَلَى فُقَرَائِهِمْ، فَإِنْ هُمْ أَطَاعُوا لَكَ بِذَلِكَ فَإِيَّاكَ وَكَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ، وَاتَّقِ دَعْوَةَ الْمَظْلُومِ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ حِجَابٌ) رواه البخاري ومسلم.
فكذلك ما تعلق بضرورات المسلمين أولى مما تعلق بحاجياتهم أو أمورهم التكميلية، فمن قلة الفقه والجفاء تقديم ما حقه التأخير، كما أن من قلة الفقه أن يكتفي الناس بالضروري ومع الإصرار على التوسع فيه مع إغفال الحاجي! فلو جئت قومًا  قد حققوا التوحيد لكن كان عندهم جهل بأحكام الصلاة فالفقه أن تبدأ معهم بتعليم أحكامها هذا إن كانوا محققين للتوحيد، والمقصود أن الأولويات تقدم بالنظر إلى أهميتها في نفسها، وبالنظر إلى حاجة الناس؛ فالمهم في نفسه قد تنزل مرتبته جراء تشبع الناس به وفقرهم إلى ما هو دونه؛ والداعية كالطبيب يقدم للمريض ما يحتاجه، لا ما هو أهم بإطلاق، ولا ما يطلبه المريض!
ثانيًا: كما أن من الجفاء ترك قضايا المسلمين الكبرى، وأمورهم الضرورية والاشتغال بما هو دونها، فإن من الغلو أن نجعل قضية منها أو بعض القضايا هي كل قضايانا وكأن الله عز وجل ما خلق الجن والإنس إلا للجرح الفلاني! بل الواجب الشرعي أن نقدم ما حقه التقديم، ونحفظ لما بعده مكانه لا أن نهمله أو نغفله بالكلية.
وبعض الناس باسم تقديم المهمات وقعوا في شيء من الغلو فتراهم لا يغفلون فقط الواجب! بل يغمزون من اشتغل بتعليم الناس أمور دينهم، وبذل جهده في تربية الأجيال تربية علمية تخرج قادة علميين قادرين على حل إشكالات المجتمع وفقًا  لما تأسس عندهم من أصول راسخة في أبواب العلوم، مع أن من يغمزونهم لا مطعن فيهم ولا مغمز إذا هم قاموا بواجب البيان في تلك المسائل الكبار، وبذلوا ما يمكنهم ولا يعنتهم.
وهذا المعنى يستفاد من حديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم في بعث معاذ رضي الله عنه إلى اليمن فإنه قال: (فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات)، فلم يأمره للانتقال إلى غيرهم ليعلمهم المسألة الأولى، بل رعى للمسألة الثانية مكانها، وكذلك إن وجد من يقوم بالمسألة الأولى فعلى غيره أن يسد ما يليها ولا يكررها.
ثالثًا: القضايا الكبرى لا تعالج بإيقاف عجلة الحياة إلا من التوجه نحوها! فهذا مما لا يمكن ولا يكون ولا يدعو إليه رشيد، بل مع مصائب المسلمين فالناس يعيِّدُون، ويُتَاجرون، ويتعاملون، وينجبون، ويتزوجون، ويعزون ويهنؤون.. وهلم جرًا، وإفساد الحياة بإيقاف كافة الأنشطة ظاهر الفساد لا يقول به عاقل، ولم تأت به شريعة.
وعلى كثرة الابتلاءات في الصدر الأول لم يعرف عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا عن صحابته إيقاف عيد، أو منع زواج، وتحريم التجارة! فضلًا  عن منع الاستفتاءات والدروس إلا في النازلة!
وهكذا قضايا المسلمين الكبرى اليوم وحاجاتهم الضرورية ينبغي للعالم أن يفرغ لها وقتًا، ويجعل لها من جهده نصيبًا  يناسب ما يستطيعه فيها، مراعيًا  واجباته الأخرى، فلا تتوقف عجلة الحياة عنده على النازلة، بل ينبغي أن يسير في برامجه العلمية، وعبادته، بل وحاجات من يعول، وهذا من الاعتدال الذي راعته الشريعة بل فرضته.
ولهذا تجد النبي -صلى الله عليه وسلم- يرد رجلًا  قد تعين عليه الجهاد باكتتابه في الغزوة واستنفاره، ليلحق بامرأته التي خرجت حاجة!
وأذن لحديث العرس يوم الخندق في التردد على أهله، على ما هم فيه من الحصار وإقبال الأحزاب.
وقد قال الله تعالى: {وَمَا كَانَ الْـمُؤْمِنُونَ لِيَنفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَائِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} [التوبة: 122].
واليوم على الأمة أن تنفر إلى ثغور كثيرة تحتاج إلى العلم والدعوة والإغاثة جميعها يعاني شحًا، وفي كثير من أصقاع الأرض لم يقم المجموع فيها بالواجب الكفائي.
وعودًا  على بدء فالمطلوب هو الاعتدال، لا تغفل الأهم بل قدمه ما استطعت، ولكن أيضًا  لا تغفل المهم.
ومن رأيته ينكر على عالم تدريسه العلم فهو أحد ثلاثة:
إما جاهل بحال العالم وشغله بقضايا المسلمين واهتمامه بها حسب طاقته.
وإما جاهل بطريق إصلاح الواقع وما ينبغي أن تكون عليه حال الأمة في الأزمات.
وإما عالم يعرف أن العالم الفلاني مقصر، قد استبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، فلم يعد له في المهمات توجيه يذكر ولم يعد له بها شغل يقدر له ويثمن.

وهذا وإن كان موجودًا  إلا أن الأكثر هو التجني بأحد الجهلين السابقين من قبل بعض المتحمسين على الأفاضلِ العاملينِ، وهؤلاء ينبغي نصحهم وإرشادهم.
أما المنافقون فحالهم مكشوفة مفضوحة؛ يرون الناس قد أوغلوا في كل شيء! كتبوا في القصص والأخبار ترفًا، وأوغلوا في الخيال العلمي، وفي أحاديث الخرافة سفهًا، ولم يتركوا شيئًا  أحقر من البعرة ولا أصغر من الذرة ولا أعظم مِن الشِّعْرى إلاّ وأفاضوا بالفضول فيه!
وكل ذلك ينظر إليه على أنه ثقافة، أو علم، أو فن، أو إبداع!
فإذا تحدث فقيه في مسائل قد تحتاجها الأمة، أو تفسر بعض ماضيها قيل له اسكت! وشرعوا يصفونه بالألقاب: فقيه حيض ونفاس! أصحاب الأوراق والكتب الصفراء! قُشوري (يعتني بالقشور)! إلى غير ذلك من الألقاب.. وهؤلاء في الحقيقة مشكلتهم مع الدين لكنهم يتذرعون بشيء ليطعنوا في غيره خفية، ولهذا تجدهم في المقابل إذا تحدث الناس في قضايا الأمة الكبار غمزوا من وجه آخر فنعتوهم بالثوريين غير العقلانيين، أو بالمتطرفين الإرهابيين، على طريقة المنافقين الأولين اللمازين في الصدقات، {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْـمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْـمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لا يَجِدُونَ إلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ 79} [التوبة: 79] رواه البخاري ومسلم.
وخير للمتحمس النبيه! أن لا يفرح بنقد هؤلاء المنافقين لإخوانه، وموافقتهم له في رمي العلماء بالجهل؛ وليعلم أنهم إن قالوا عمن لم يرضَ مسلكهم اليوم: فقهاء حيض ونفاس، فسيقولون عنه غدًا : جماعات إرهابية! وقد فعلوا! فاعتبروا يا أولي الأبصار!