الجمعة 13 شعبان 1445 هـ الموافق 23 فبراير 2024 م
حرب الاستنزاف التي تأخر فيها الثوار .
الكاتب : عقبل حسين
الجمعة 20 صفر 1436 هـ الموافق 12 ديسمبر 2014 م
عدد الزيارات : 2402

 

حرب الاستنزاف التي تأخر فيها الثوار 
 
بعد تقدم قوات النظام في محيط مدينة حلب وتمكنها من الوصول إلى ما بعد العقدة الكبيرة على هذا الصعيد، وهي عقدة السجن المركزي - المدينة الصناعية، وحتى قبل وصولها إلى قريتي حندرات وسيفات، بدأ الجميع يتناقش في الخيارات المتاحة أمام الثوار.
بدا أن الأمر أكبر من قدرة الثوار على التصدي لهذا الزحف المدعوم بالطيران وبكل أنواع الأسلحة، خاصة في ظل استمرار تهديدات تنظيم الدولة من جهة الريف الشمالي، والتناحر بين بعض الفصائل في ريف إدلب وانعكاس ذلك بشكل مباشر على المرابطين في حلب.
العديد من الخيارات كانت مطروحة، بما في ذلك الانسحاب من مناطق معينة لصالح تعزيز المواقع في مناطق أخرى، وهو خيار لم يكن من السهل مناقشته فضلاً عن تطبيقه، وبعضها كان تقليدياً لا يرى الحل إلا في التحول الكامل من الدفاع إلى الهجوم وتوجيه ضربة قاصمة للنظام تنهي تفوقه في حلب.
 
لم تكن الفصائل بعد قد بدأت تعي أهمية استخدام خيار الثوار العسكري الأول عالميًا، وتاريخيًا، وهو اعتماد أسلوب (اللسع) واستنزاف العدو.
في حلب ظهرت الحاجة إلى هذا الأسلوب في التعامل مع تقدم قوات النظام منذ بداية سيطرتها على خناصر وتوغله باتجاه الشمال مطلع العام 2013، وكان يفترض أن تكون الفصائل التي أجبرها النظام على الانسحاب من القرى المتقدمة شرقًا (في محيط السفيرة) أن لا تتراجع فقط لتتمركز في مناطق جديدة بانتظار وصول قوات النظام إليها (وهذا ما حصل) بل أن تبدأ في حرب عصابات (لا حرب شوارع) تتيحه لها معرفتها بتضاريس المنطقة وتفاصيلها، من خلال الإغارة على طرق إمداد النظام وحواجزه ونقاط تمركزه بشكل مستمر، وخاصة في الليل، إلا أن عامل التمسك بالأرض والدفاع عنها سيطر نفسيًا على الثوار، بحيث كان المقياس الوحيد للنصر أو الهزيمة!
لاحقًا لم يعد هذا الخيار متاحاً للثوار كما كان عليه الحال في الريفين الجنوبي والشرقي الذين تقدم عبرهما النظام وصولاً إلى النقارين والشيخ نجار، على اعتبار تغير طبيعة الأرض لصالح قواته من جهة، وتقدمه بمحاذاة مناطق سيطرة تنظيم الدولة الذي لا يسمح للثوار بالمرور في محاذاة مناطقه لمواجهة قوات النظام من جهة ثانية، وأخيرًا الإنهاك الذي أصاب الثوار بعد حرب طويلة لم تهدأ.
 
ويبدو أن نجاة النظام في الريف (الجنوبي – الشرقي) من الفخ قد شجعه على تكرار التجربة في الريف الشمالي، بحيث كان جريئًا فعلاً إلى حد الوقاحة -إن صح التعبير-  في هجومه على قريتي حندرات وسيفات، بل وتجرؤه على منطقة الملاح المتاخمة لبلدة حريتان.
وما لم يقم به الثوار أولاً كان عليهم أن يفعلوه أخيرًا، ليس لأنه الخيار الأخير الجيد فقط، بل لأنه الخيار الأفضل أصلاً، وأن يتوغل مقاتلو النظام في منطقة مفتوحة جديدة تعتبر من حواضن الثورة، لهو الخطأ الذي ما كان للنظام أن ينجو منه هذه المرة.
 
وبالفعل فإنه ومنذ نحو خمسين يومًا، أي بعد أن وضع النظام أقدامه وبإرادته في هذا الوحل، بدأ الثوار يعتمدون أخيراً على استراتيجية الضربات المؤلمة وانهاك عدوهم باستخدام الصواريخ المضادة للدروع والقصف من مسافات قصيرة، واستهداف طرق إمداد النظام وتصيد آلياته وجنوده بشكل يومي، إلى جانب الأهم، والمتمثل بشن غارات مستمرة وفتح معارك محدودة وسريعة لتحقيق أهداف جزئية لكنها استراتيجية (كما يحصل في محيط حندرات والسجن) بأقل تكلفة وثمن.
لقد أتاح هذا الإشغال المستمر لقوات النظام وإيقاع خسائر مؤلمة فيها بلا انقطاع، واستنزافها في العتاد والآليات والجنود، أتاح للثوار فرصة فتح معركة كبيرة بدأت منذ أيام وتستهدف السيطرة على بلدة الزهراء، وهي معركة يجب أن تستمر بتركيز كبير طبعًا، لكن الأهم بلا شك أن لا تتوقف حرب الاستنزاف ضد قوات النظام في منطقة حندرات، بحيث لا تتاح للنظام أي فرصة يلتقط فيها أنفاسه.