الثلاثاء 19 ذو الحجة 1445 هـ الموافق 25 يونيو 2024 م
التربية عن طريق التلويح والتلميح والإيحاء من خلال سورة التحريم
السبت 15 ذو القعدة 1434 هـ الموافق 21 سبتمبر 2013 م
عدد الزيارات : 3628


إن النفوس البشرية جُبلت على الاعتزاز بالمألوف المعتاد التي نشأت عليه ويصعب عليها التغيير وترك المألوفات، وكثيرًا ما تتولد القناعات الداخلية لدى المرء بخطأ الموقف وصحة الجديد وصوابه، ولكن الاستجابة لهذا الجديد يشق على النفس، وخاصة إذا اعتادت ملذات معينة وأسلوبًا خاصًا في التعامل وأنسًا معينًا بأصحاب وقرناء.
والحكمة تقتضي اتباع الأسلوب المناسب لكل حالة، فكثير من الناس موقعهم في ذؤابة القوم ورئاستهم لا تنفع معهم المجابهة الصريحة. وآخرون ينفع معهم الوعد وتحقيق المصالح وغيرهم يجدي معهم الوعيد والشدة.
ولكن الأسلوب الذي يعم الجميع ويتجاوب مع كل الفئات أسلوب التلميح والإيحاء، ولذلك كان أغلب أسلوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في دعوته التعميم والتلميح، فكان يقول "... فما بال العامل نستعمله فيأتينا..."[1].
وقد أخذه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من الأسلوب القرآني في عدم تسمية الأقوام والأشخاص بأسمائهم مراعاة للجبلّة الإنسانية في أخذها العزة في الدفاع عن نفسها.
ومن هذه الأساليب الإيحائية ذكر قصص السابقين الذين تمثلت في سيرهم قيم معينة، وحملوا مبادئ ومُثلاً تجسدت في سلوكهم، وبالتالي يدعى السامع لأخذ العبرة من ذلك.
وفي قصص القرآن الكريم نماذج لكل الشرائح البشرية، فقصة نوح وإبراهيم وإسماعيل ويعقوب ويوسف وموسى وزكريا ويحيى وعيسى ولقمان وذي القرنين نماذج تقتدى بها في الصبر وتحمل الأذى والحكمة في الدعوة والرفق بالمدعوين والصدق في القول والعمل والتضحية وتحين الفرص لتبليغ الدعوة في الوقت المناسب للمدعوين، والجرأة في الحق والتبتل إلى الله تعالى والزهد في متاع الحياة الدنيا وشهواتها.
أما قصص: نمرود وفرعون وهامان وصاحب الجنتين، فتمثل الطغيان الإنساني الذي تنحرف به الفطرة ليصل الطغيان إلى ادعاء الألوهية عندما تدفعه بطانته إلى التعالي وتزين له الاستبداد، ولا يجد في القوم من يجهر في وجهه بكلمة الحق وتذكيره بخالقه الذي هو أشد منه ومن بطانته قوة. وكذلك النماذج البشرية التي تضفي صفة الخلود على المتع والملذات الدنيوية التي لا يريد زوالها عنه ولا يريد أن يسمع من يذكره بالآخرة التي سيكون فيها الزوال لمتعه الدنيوية وحسابه على كل ما قدمته يداه، لأن كل ذلك منغص عليه شهواته وملذاته الدنيوية. إن هذه النماذج تتكرر في الحياة البشرية في كل وقت وفي كل حين وفي كل مكان.
ولأثر أسلوب الإيحاء والتلميح في النفس الإنسانية وتربيتها سيقت هذه النماذج في حياة المرأة لتؤخذ العظات والعبر والدروس.
 عود على بدء:
تقدم في مبحث المناسبات في سورة التحريم أن افتتاحية سورة التحريم تتناول أمرين يتعلقان برسول - صلى الله عليه وسلم - وبزوجتيه عائشة وحفصة -رضي الله عنهما- واختتمت السورة بالإشارة إلى الأمرين.
فجاءت الإشارة الأولى بالتعريض بأمي المؤمنين وأن قربهما من رسول الله لن ينفعهما إن بقيَتا على تظاهرهما عليه وحبهما ما يكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما لم ينفع قرب امرأة نوح وامرأة لوط من زوجيهما لأنهما خالفتا عقيدة الزوجين ورسالتهما.
وفي ذلك تخويف وتحذير يتفطر له قلب المؤمن من هذا الإيماء والرمز، وكانت قلوب أمهات المؤمنين من القلوب الرقيقة التي تحس بمثل هذه التلميحات والإشارات.
وجاءت الإشارة الثانية إلى امرأتين كانتا المثال الحسن والقدوة الرائعة للنساء في الترفع عن زينة الدنيا وشهواتها.
مات زوج إحداهما كافرًا -وهو فرعون- فأبدلها به خيرًا وهو سيد البشر وخاتم النبيين - صلى الله عليه وسلم - كما ذكرنا حديث الطبراني في ذلك.
والثانية مريم ابنة عمران -عليها السلام- حيث لم يكن لها زوج فوعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالزواج بها يوم القيامة[2].
وفي ذلك تكريم لهما وعوض لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ما كان من شأنه في هضم حق نفسه ابتغاء مرضاة أزواجه اللاتي تظاهرن عليه.
وبذلك يكون آخر السورة قد رجع إلى أولها، مع انتظام كل مقاطعها في محورها لتشكل سبيكة ذهبية من التوجيهات الربانية في تربية الأسرة المسلمة.

________________________________________
[1] أخرج البخاري الحديث مطولاً... انظر الصحيح كتاب الأيمان والنذور (7/219).
[2] جاء في الأثر أن الزوجين إذا ماتا مؤمنين وكانا من أهل الجنة فكل منهما أولى بصاحبه إذا كانا متراضين، أما إذا مات أحدهما كافراً فلا اقتران بينهما وإذا لم يتراضيا فكذلك.