الخميس 12 شعبان 1445 هـ الموافق 22 فبراير 2024 م
حب الصحابة وفضلهم
الثلاثاء 6 شوّال 1434 هـ الموافق 13 أغسطس 2013 م
عدد الزيارات : 4034



الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على نبينا محمد وصحبه أجمعين.
لقد أثنى الله - عز وجل - على صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في مواضع عديدة من كتابه الكريم، وامتدحهم بأحسن الأوصاف وأكملها، وامتنَّ عليهم بالرِّضوان والتوبة، وأخبرهم بما أَعدَّ لهم من الأجر الكريم والثواب العظيم.


 قال تعالى: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾ [التوبة: 100].
قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: "فقد أخبر الله العظيم أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتَّبعوهم بإحسان، فيا ويل من أبغضهم أو سبَّهم أو أبغض أو سبّ بعضهم!
ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني الصدّيق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة - رضي الله تعالى عنه - فإن الطائفة المخذولة يُعادون أفضل الصحابة ويُبغِضونهم ويَسبُّونهم - عياذًا بالله من ذلك - وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة، وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبُّون مَن - رضي الله تعالى عنهم - وأما أهل السنة فإنهم يترضَّون عمن - رضي الله عنه - ويَسبون مَن سبَّه الله ورسوله، ويوالون مَن يوالي الله، ويُعادون مَن يعادي الله، وهم مُتَّبِعون لا مُبتدِعون ويقتدون ولا يبتدعون، ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون). [تفسير ابن كثير].
قال الإمام البخاري رحمه الله: "ومَن صحِب النبي - صلى الله عليه وسلم - أو رآه من المسلمين، فهو من أصحابه" [صحيح البخاري].
قال ابن تيمية رحمه الله: "والصُّحبة اسم جنس يقع على مَن صحِب النبي - صلى الله عليه وسلم - قليلاً أو كثيرًا؛ لكن كل منهم له من الصحبة بقدر ذلك، فمَن صحِبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه مؤمنًا، فله من الصحبة بقدر ذلك"[مجموع الفتاوى].
قال الشوكاني رحمه الله: "ويعرف كون الصحابي صحابيًّا بالتواتر والاستفاضة، وبكونه من المهاجرين أو من الأنصار، وبخبر صحابي آخر معلوم الصحبة"[إرشاد الفحول].

الأحاديث الواردة في فضائلهم:
•  عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (خير الناس قَرْني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ثم يجيء أقوام تَسبِق شهادة أحدهم يمينه ويمينه شهادته) رواه البخاري وسلم.
قال ابن حجر رحمه الله: "والمراد بقرن النبي - صلى الله عليه وسلم - في هذا الحديث: الصحابة"[فتح الباري].
•  عن جابر - رضي الله عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: (لا يدخل النار أحد ممن بايع تحت الشجرة)[رواه مسلم].
•  قال النبي- صلى الله عليه وسلم - لعمر - رضي الله عنه -: (وما يُدريك لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتُم فقد غفرتُ لكم؟!)[رواه مسلم].
قال العلامة خليل بن أحمد السهارنفوري رحمه الله: (كأنه تعالى علِم مِنهم أنه لا يجيء منهم ما يُنافي المغفرة، فقال لهم: اعملوا ما شئتم، إظهارًا لكمال الرضا عنهم، وأنه لا يُتوقَّع منهم من الأعمال بحسب الأعم والأغلب إلا الخير، فهذه كِناية عن كمال الرضا وصلاح الحال، وتوفيقهم غالبًا للخير)[ بذْل المجهود في حل أبي داود].

عدالة الصحابة:
•  قال تعالى في تعديلهم: ﴿ لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح: 18].
•  قال ابن كثير - رحمه الله - في قوله تعالى: ﴿ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ ﴾ [الفتح: 18]؛ أي: من الصدق والوفاء والسمع والطاعة، ﴿ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ ﴾ [الفتح: 18]، وهي الطمأنينة[تفسير ابن كثير]. هـ.
•  وقال شيخ الإسلام ابن تيميَّة - رحمه الله: (والرضا من الله صفة قديمة، فلا يرضى إلا عن عبد علِم أنه يوافيه على موجبات الرضا، ومَن رضي الله عنه لم يسخط عليه أبدًا)[الصارم المسلول].
•  قال أبو محمد بن حزم - رحمه الله:(فمن أخبرنا الله - عز وجل - أنه علم ما في قلوبهم ورضي عنهم وأنزل السكينة عليهم، فلا يحل لأحد التوقُّف في أمرهم ولا الشك فيهم ألبتَّة، ولقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم: "لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة")[الفِصَل في الملل والنحل].
•  قال ابن كثير - رحمه الله: (الصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة؛ لِما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السُّنة النبويَّة في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذَلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل والجزاء الجميل)[الباعث الحثيث].
•  قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله: (فإن القدح في خير القرون الذين صحِبوا الرسول قدْح في الرسول -عليه السلام- كما قال مالك وغيره من أئمة العلم هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله، وإنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلاً صالحًا لكان أصحابه صالحين"[مجموع الفتاوى].

ثناء العلماء على الصحابة:
•  عن سعيد بن زيد - رضي الله عنه– قال: (لَمَشهد رجل منهم - أي الصحابة - مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغبرّ فيه وجهه خيرٌ من عملِ أحدكم عمره، ولو عمّرَ عُمر نوح) رواه أبو داود.
•  عن شعبة عن منصور بن عبد الرحمن: سمعت الشَّعبي يقول: (أدركت خمس مئة أو أكثر من الصحابة، يقولون: علي وعثمان وطلحة والزبير في الجنة، قلت - أي الذهبي -: لأنهم من العشرة المشهود لهم بالجنة، ومن البدريِّين، ومن أهل بَيْعة الرّضوان، ومن السابقين الأولين، الذين أخبر –تعالى- أنه رضي عنهم ورضوا عنه، ولأن الأربعة قُتِلوا ورُزِقوا الشهادة، فنحن مُحبُّون لهم) [السِّير].
•  قال الشافعي -رحمه الله: (وقد أثنى الله - تبارك وتعالى - على أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في القرآن والتوراة والإنجيل وسبَق لهم على لسان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من الفضل ما ليس لأحد بعدهم، فرحِمهم الله وهنأهم بما أتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين، أدوا إلينا سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشاهَدوه والوحي ينزل عليه فعلِموا ما أراد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عامًّا وخاصَّا وعزمًا وإرشادًا، وعرفوا من سنَّته ما عرفنا وجهِلنا، وهم فوقنا في كل عِلم واجتهاد وورع وعقل)[إعلام الموقعين[.
•  قال ابن القيم - رحمه الله: (المقصود أن أحدًا ممن بعدهم -أي الصحابة- لا يساويهم في رأيهم، وكيف يساويهم؟! وقد كان أحدهم يرى الرأي فينزل القرآن بموافقته)[إعلام الموقعين].
•  قال شيخ الإسلام ابن تيميَّة -رحمه الله: (فمَن اتَّبع السابقين الأولين كان منهم، وهم خير الناس بعد الأنبياء، فإنّ أمة محمد خير أمة أُخرِجت للناس، وأولئك خير أمة محمد كما ثبت في الصِّحاح من غير وجه أن النبي قال: ((خير القرون القرن الذي بُعِثت فيهم ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم))، ولهذا كان معرفة أقوالهم في العِلم والدين وأعمالهم خيرًا وأنفع من معرفة أقوال المتأخِّرين وأعمالهم في جميع علوم الدين وأعماله؛ كالتفسير وأصول الدين وفروعه والزهد والعبادة والأخلاق والجهاد وغير ذلك، فإنهم أفضل ممن بعدهم كما دلَّ عليه الكتاب والسنة؛ فالاقتداء بهم خير من الاقتداء بمن بعدهم، ومعرفة إجماعهم ونزاعهم في العلم والدين خير وأنفع من معرفة ما يُذكَر من إجماع غيرهم ونزاعهم؛ وذلك أن إجماعهم لا يكون إلا معصومًا، وإذا تنازَعوا، فالحق لا يخرج عنهم)[مجموع الفتاوى].

•  قال العلامة ابن القيم - رحمه الله - في ميميَّته:


أولئكَ أتباعُ النبيِّ وحِزْبُهُ
             ولولاهُمُ ما كان في الأرضِ مُسْلِمُ
ولوْلاهُمُ كادَتْ تَمِيدُ بأهْلِهَا
             ولكنْ رَوَاسِيها وأوْتادُها هُمُ
ولوْلاهُمُ كانتْ ظلامًا بأهْلِها
               وَلكنْ هُمُ فِيها بُدُورٌ وَأنْجُمُ
أولئكَ أصْحَابي فحَيَّهَلاً بهِمْ
                  وحَيَّهَلاً بالطيِّبينَ وأنعِمُ
لِكُلِّ امْرِئ منهم سَلامٌ يَخُصُّهُ
                   يُبلِّغه الأدنَى إليهِ وينعَمُ
ويَا لائِمِي فِي حُبِّهُمْ وَوَلائِهمْ
                   تأمَّلْ هَدَاكَ الله مَنْ هُوَ ألْوَمُ
بأيِّ دَلِيلٍ أمْ بأيَّةِ حُجةٍ
                  ترَى حُبَّهُمْ عَارًا عَليَّ وَتنقِمُ
ومَا العارُ إلا بُغْضُهُمْ وَاجْتِنابُهُمْ
                  وَحُبُّ عِدَاهُم ذاكَ عارٌ ومَأثمُ