الخميس 7 شوّال 1439 هـ الموافق 21 يونيو 2018 م
حكم سداد دين الكافر المحارب
رقم الفتوى : 35
الثلاثاء 16 ذو القعدة 1433 هـ الموافق 2 أكتوبر 2012 م
عدد الزيارات : 7210

السؤال:


استدان مسلم مالاً من نصيري محارب للمسلمين، وهو الآن مطلوب للمجاهدين بسبب إجرامه وإعانته للأمن، فهل تُرد له أمواله؟ أم ماذا نفعل بهذا المال؟

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ


الجواب:
أولاً: الأصل في المعاملات المالية بين المسلم وغيره الجواز، سواء كان مسالمًا أو محاربًا، طالما لم يتعد هذا الأصل إلى محرَّم أو معاملة محرمة، وهو أمر معلوم مشهور؛ فإنه _صلى الله عليه وسلم_ وأصحابه أقاموا بمكة ثلاث عشرة سنة يعاملون المشركين، وأقام في المدينة عشراً يعامل هو وأصحابه أهل الكتاب وينزلون أسواقهم.
قال الحافظ ابن حجر _رحمه الله_ في "فتح الباري": "تجوز معاملة الكفار فيما لم يتحقق تحريم على المتعامَل فيه، وعدم الاعتبار بفساد معتقدهم ومعاملاتهم فيما بينهم".
ثانياً: أداء الأمانة والوفاء بالوعد وإبراء الذمم صفة الأنبياء والصالحين، وسمة المؤمنين الصادقين، قال تعالى:{وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8، والمعارج 32].
أما الخيانة والغدر فإنها من صفات المنافقين وخصالهم، كما في حديث عبد الله بن عمروٍ _رضي الله عنهما_ في الصحيحين أنَّ النبي _صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ_ قَالَ: (أَرْبَعٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا خَالِصًا وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْهُنَّ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ مِنْ النِّفَاقِ حَتَّى يَدَعَهَا: إِذا اؤْتُمِنَ خَانَ، وَإِذا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذا عاهَدَ غَدَرَ، وَإِذا خَاصَمَ فَجَرَ).
كما أمر الإسلام بأداء الأمانة، ونهى عن الخيانة، حتى مع الخائن؛ فعن  أبي هريرة _رضي الله عنه_ عن النبي _صلى الله عليه وسلم_ أنَّه قال: (أَدِّ الأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلاَ تَخُنْ مَنْ خَانَكَ) رواه أبو داود والترمذي.
ومازال هذا خُلُقَ المسلمين، لا يفارقهم في السلم أو الحرب، حتى غدا سمةً لهم على مرِّ الأزمان، ولا أدلَّ على ذلك من قبول الكفار إقراض المسلمين؛ لما يغلب على ظنهم أن المسلم سيؤدي دينه، ولن يقابله بالإساءة.
ثالثًا: إذا اقترض المسلم من غير المسلم فقد ألزم نفسه وذمته بالسداد، بإرادته واختياره، ولا يسقط ذلك عنه إلا بالسداد أو العفو من المقرض، وهذا سواء في حالة الحرب أو في السلم. فإذا امتنع من الأداء فقد اتصف بالغدر والخيانة، ووقع في المحظور.
جاء في "كشاف القناع" للبهوتي: "وإن أخذه [أي أخذ المسلم مال حربي في دار الحرب] ببيع في الذمة أو قرض، فالثمن في ذمته بمقتضى العقد، عليه أداؤه إليه؛ لعموم:(أد الأمانة إلى من ائتمنك)".
ولا تبرأ ذمة المسلم من هذا القرض حتى في حالة أسر الحربي أو قتله إلا بالأداء، جاء في "فتاوى الرملي": "وَقَالُوا: لَوْ اُسْتُرِقَّ حَرْبِيٌّ، وَلَهُ دَيْنٌ عَلَى مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ، لَمْ يَسْقُطْ، بَلْ هُوَ بَاقٍ فِي ذِمَّةِ الْمَدْيُونِ كَوَدِيعَةٍ ".
فإن غلب على ظن المسلم المدين استفادة هذا المحارب من المال في شراء السلاح أو استخدامه في مقاتلة المسلمين: فالأولى تأخير سداد القرض إلى أن تضع الحرب أوزارها؛ وذلك تقديمٌ لمصلحة المسلمين العامة، إلا أن الدَّين يبقى في ذمته، يجب سداده للحربي أو ورثته، والأفضل أن يكتبه في وصيته أو يشهد عليه.


والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه، وسلم