الاثنين 2 جمادى الأول 1443 هـ الموافق 6 ديسمبر 2021 م
توزيع الإنسان مالَه على الأبناء والأقارب حالَ الحياة
رقم الفتوى : 248
الثلاثاء 20 ربيع الأول 1443 هـ الموافق 26 أكتوبر 2021 م
عدد الزيارات : 1850

توزيع الإنسان مالَه على الأبناء والأقارب حالَ الحياة

السؤال: هل يجوز للأب توزيع ماله على أولاده حال حياته؛ حتى لا يتنازعوا بعد وفاته، وهل هو ملزمٌ بالقسمة كما في الميراث الشرعي؟

الجواب:

الحمدُ لله، والصلاة والسلامُ على رسول الله، وبعد:

فيجوز للإنسان أن يفرِّق أموالَه على أولاده وأقاربه حال حياته، والأفضل ألَّا يفعل إذا لم توجد حاجةٌ أو مصلحةٌ معتبرةٌ، وأن يترك الأمرَ لما بعد موته ليُقسم مالُه كما فرض اللهُ تعالى في كتابه، وما فرَّقه في حياته لا يُعدُّ ميراثًا ولا يأخذ شيئًا مِن أحكامِه، وبيانُ ذلك:

أولاً: لا حرج على الإنسان في تفريق ماله على أولاده وأقاربه حال حياته، وهو صحيحٌ معافَى.

قال المرداوي في الإنصاف: "لا يُكرَه للحَيّ قَسْمُ مالِه بينَ أولادِه".

وقال مرعي الكرمي في دليل الطالب: "يُباح للإنسان أن يَقسِم مالَه بين ورثتِه في حال حياته".

وذلك أنَّ "مَنْ صحَّ رُشده صحَّ تصرُّفه في ماله بما شاء"، كما قال ابن بطال.

وفي معالم السنن للخطابي: "للصحيحِ أن يضع مالَه حيث شاء مِن المباح، وله أن يشِحَّ به على مَن لا يلزمه فرضُه".

وروى سعيد بن منصور في سننه أنَّ سعدَ بن عبادةَ رضي الله عنه قسم ماله بين ولده في حال حياته، ثم خرج إلى الشام ومات هناك. ولم يُنكر فعلَه أحدٌ مِن الصحابة.

والأفضلُ ألا يوزعَ الإنسانُ مالَه حال حياته، بل يُبقي مالَه معه؛ فالأحوالُ تتغير، فإذا مات قُسّم على الورثة الموجودين حينَ وفاتِه حسب القسمة الشرعية.

قال ابن قدامة في المغني: "قال أحمد: أُحِبُّ أنْ لا يَقسمَ مالَه، ويدَعَه على فرائضِ اللَّه تعالى، لعلّه أنْ يُولدَ له".

لكن إنْ غلب على ظنِّه وقوعُ التنازع والخصام بين ورثته بعد موته، أو وقوعُ الظلم على بعضِهم، أو كان في هذه القسمة مصلحةٌ ظاهرة؛ فالأفضلُ حينئذٍ أن يوزع أموالَه حال حياته؛ درءًا للمفاسد، وجلبًا لما يأمل مِن المصالح.

ثانياً: توزيعُ المال حال الحياة لا يُعَدُّ ميراثاً؛ بل هو هبةٌ وعطيةٌ، ولا ينطبق عليه شيءٌ مِن أحكام المواريث؛ لأنَّ الميراث: ما تركه الإنسان مِن أموال بعد موتِه.

قال الإمام الشافعي في الأم: "وكان معقولًا عن الله عز وجل ثمَّ عن رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ثم في لسان العرب وقول عوام أهل العلم ببلدنا: أنّ امْرَأً لا يكون موروثًا أبدًا حتى يموت، فإذا مات كان موروثًا، وأنَّ الأحياءَ خلافُ الموتى".

ثالثا: يشترط لصحة هذه العطية ونفاذِها: أن لا تكون معلَّقة على وفاته، بل تكون عطيةً مُنَجَّزةً "فورية"، ومقبوضة.

-فإن كانت معلَّقة بالموت، فهي وصيةٌ، ولها أحكامُها.

قال ابن قدامة في المغني: "العطايا المعلَّقة بالموت، كقوله: إذا متُّ فأعطوا فلاناً  كذا، أو أعتقوا فلاناً ونحوَه: وصايا، حكمُها حكمُ غيرِها مِن الوصايا".

ولا فرق ههنا بين أنْ تَصدرَ منه هذه العطيةُ (المعلَّقة بالموت) في حال صحتِه أو مرضِه، كما قال الجويني في نهاية المطلب: "سواء فُرض إنشاؤها في الصحة أو في المرض".

-وإذا لم تُقبض، فهي غيرُ لازمة.

وقبضُ كلِّ شيء بحسبه، فيكون حقيقيًا في النقود ونحوها مما يمكن أنْ يُستوفى ويؤخَذَ باليد، ويكون قبضاً حكمياً (بنقل ملكيتها وتسجيلها في الدوائر الرسمية) للعقارات ونحوها.

وروى الإمام مالك في الموطأ أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه وهب عائشة رضي الله عنها قدْراً من ثمار بستانه، ثم لم تقبضْه حتى حضرته الوفاة، فأمرها أن تجعلَه في الميراث، وقال لها: "فَلوْ كُنتِ جَدَدْتِيهِ واحْتَزْتِيهِ كان لكِ، وإِنَّما هوَ اليومَ مالُ وارِثٍ".

قال الشافعي في الأم: "فإن كان الابنُ بالغًا لم تكن الهبةُ تامَّةً حتى يقبضَها الابنُ، وسواء كان في عيالِه أو لم يكن، وكذلك روي عن أبي بكر وعائشة وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم".

قال ابن قدامة في المغني: " لا تلزم الهبةُ في الجميع إلا بالقبض، وهو قول أكثر أهل العلم.. قال المرُّوْذِيُّ: اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعليٌّ رضي الله عنهم على أنَّ الهبةَ لا تجوز إلا مقبوضة".

رابعًا: قسمةُ الإنسانِ مالَه بين أولاده وأقاربه في حال المرض المخوف الذي يتصل به الموتُ: تأخذُ حكمَ الوصية.

أي: أنها لا تجوز لوارث، ولا بأكثر مِن الثلث لغيره إلا بإجازة سائر الورثة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنَّ اللَّهَ قدْ أعطى كلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّه فلا وَصيّةَ لِوارثٍ) أخرجه أبو داود.

قال ابن المنذر في الإجماع: " وأجمعوا على أنَّ حكمَ الهبات في المرض الذي يموت فيه الواهبُ حكمُ الوصايا، وتكون مِن الثلث إذا كانت مقبوضة".

وقال ابن قدامة في المغني: "التبرعاتُ المنجَّزة... إن كانت في مرضٍ مخوفٍ اتصل به الموتُ، فهي مِن ثلثِ المال، في قول جمهور العلماء".

قال الخطابي في معالم السنن: "وإنما تبطلُ الوصيةُ للوارث في قول أكثر أهل العلم مِن أجل حقوق سائر الورثة، فإذا أجازوها جازت كما إذا أجازوا الزيادة على الثلث للأجنبي جاز".

وقال ابنُ قدامة في المغني: " إذا وصّى لوارثه بوصية، فلم يُجِزْها سائرُ الورثة، لم تصحَّ بغير خلاف بين العلماء، قال ابن المنذر وابن عبد البر: أجمع أهلُ العلم على هذا".

 خامسًا: مَن أراد تفريقَ مالِه حال حياته، فالنصيحةُ له:

1- أن يعدل بين أولاده في الهبة والعطية، بل ذلك حقٌّ واجبٌ عند كثير مِن العلماء.

فإذا تمت المفاضلة، ولم تطب نفوسُ الأولاد بعطية والدهم، فمَحَلُّ الفصلِ هو القضاء الشرعي؛ حسمًا للنزاع، ولوجود خلافٍ معتبر بين العلماء في هذه المسألة.

2-أن يعطي الذكرَ مثل حظ الأنثيين كقسمة الميراث، وإن سوَّى بينهما في العطية فلا بأس بذلك عند جمهور العلماء؛ لأنها عطية وليست ميراثا.

3-أنْ لا يَحرِمَ أحدًا مِن أولادِه أو أقاربِه الوارثين مِن هذا المال، وقد ذهب بعضُ العلماء إلى تحريم تقصّد حرمانِ أحدِ الأقارب الوارثين.

4- أن يجعل نصيبًا لبقية الأقارب الوارثين؛ صلةً للرحم وتطيبًا لنفوسهم؛ فلا يقع الحسدُ وقطيعة الرَّحِم.

قال الشافعي رحمه الله -كما في مختصر المزني-: "فإنَّ القَرابَةَ يَنْفَسُ -أي: يحسُد-بَعضُهُم بَعضًا ما لا يَنْفَسُ العِدَى".

ولا يجب عليه العدلُ ولا التسويةُ بينهم، بل يعطيهم كيف شاء.

قال ابنُ قدامة في المغني: " وليس عليه التَّسويةُ بين سائرِ أقاربِه، ولا إعطاؤهم على قدْرِ مواريثِهم سواء كانوا مِن جهةٍ واحدة، كإخوةٍ وأخواتٍ، وأعمامٍ وبني عمٍّ، أو مِن جهاتٍ، كبناتٍ وأخواتٍ وغيرهم".

5- ألا يوزعَ جميعَ ماله، وأن يترك لنفسِه شيئًا، فقد يحتاج له لأي أمر طارئ، والإنسان لا يدري مَن يموت أولاً؛ فقد يطول عمر الأب ويتنكّر له أولادُه فلا يجد ما يكفيه، وقد يموت أولادُه ويبقى هو على قيد الحياة فيحتاج لماله لينفقَه على نفسه، أو يتصرف به بطرق أنفع له.

وقد يُولَد له أولادٌ آخرون، كما حصل مع سعد بن عبادة رضي الله عنه، فقد روى عبد الرزاق في المصنف عن عطاء: أنَّ سعدَ بْنَ عُبادَةَ قَسَمَ مالَه بينَ بَنيه، ثُمَّ تُوُفِّيَ، وامرَأَتُهُ حُبلى لَمْ يَعلَمْ بِحَمْلِها، فَوَلَدَتْ غُلامًا، فَأَرْسَلَ أبو بكرٍ، وعُمرُ فِي ذلكَ إِلى قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبادةَ، قال: "أمّا أمرٌ قَسَمَهُ سَعْدٌ وأمْضاه، فلنْ أَعُودَ فِيهِ، ولكِنْ نَصِيبِي له".

6-يجوز للواهب أنْ يستثنيَ الانتفاعَ ببعض أملاكه التي وهبها مدةَ حياته.

قال ابن تيمية في مجموع الفتاوى: "الصَّوابُ أنه يجوز لكلِّ عاقدٍ أنْ يستثنيَ مِن منفعة المعقود عليه ما له فيه غرضٌ صحيح، كما إذا باع عقاراً واستثنى سكناه مدةً ... أو وهب مِلكاً واستثنى منفعتَه ...، أو وقف عيناً واستثنى غَلَّتَها لنفسِه مدةَ حياته وأمثال ذلك".

ختامًا:

فإنّ الأولى بالإنسان إذا لم توجد مصلحة وحاجة أن يترك مالَه ليُقسم على قسمة الله في كتابه، فإنه لا يدري أين يكون الخير له، كما قال تعالى: {آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}.

فأنتم لا تعلمون مَن أنفعُ لكم ممّن يرثُكم مِن أصولِكم وفروعِكم في عاجلكم وآجلكم، وقد فرض اللهُ الفرائضَ على ما هي عليه لحِكَمٍ بالغة، ولو وَكَلَ ذلك إليكم لم تعلموا أيُّهم أنفعُ لكم، فأفسدتم وضيّعتم وأعطيتم مَن لا يستحق، ومنعتم من يجب له الميراث، فتولى الله ذلك فضلاً منه، ولم يَكِلْها إلى اجتهادِكم.

والله أعلم