الثلاثاء 8 رمضان 1442 هـ الموافق 20 أبريل 2021 م
هل نشرُ أخبار الوفاة في وسائل التواصل الاجتماعي من النَّعي المحرَّم؟
رقم الفتوى : 192
الجمعة 21 رجب 1442 هـ الموافق 5 مارس 2021 م
عدد الزيارات : 2186

 هل نشرُ أخبار الوفاة في وسائل التواصل الاجتماعي من النَّعي المحرَّم؟

السؤال:

يلاحظ انتشار أخبار الوفيات في مواقع وبرامج التواصل الاجتماعي مع الإشادة بالمتوفى والثناء عليه، ألا يدخل هذا في النعي الذي ورد النهي عنه شرعًا؟

الجواب:

الحمدُ لله، والصلاة والسلام على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم. 

أما بعد:

فلا حرج شرعًا في نشر أخبار الوفاة على مواقع التواصل الاجتماعي ونحوها من وسائل الإعلام الحديثة، والثناء على الميت بصدق واعتدال، ولا يُعَدُّ هذا مِن النَّعي المذموم، وإنما الممنوع: النعي الذي يصاحبه شيءٌ من أعمال الجاهلية كالجزع والتسخُّط على قضاء الله وقدره، أو الغلو والكذب، أو ترتَّب عليه إسرافٌ وهدرٌ للمال، وبيان ذلك:

أولًا:

النعي في لغة العرب: "الإخبار بالموت".

والنَّاعي هو الذي يأتي بخبر الموت، كما في الصحاح للجوهري.

قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث: " كانوا إذا مات منهم شريفٌ أو قُتل بعثوا راكبًا إلى القبائل ينعاه إليهم، يقول: نَعاءِ فلانًا، أو يا نَعاءِ العرب: أي هلك فلان، أو هلكت العرب بموت فلان".

ثانيًا:

ثبت في الصحيحين أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نعى بعضَ مَن مات مِن أصحابه.

فعن أبي هريرة رضي الله عنه: "أنّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم نعى النجاشيَّ في اليوم الذي مات فيه، وقال: (استغفروا لأخيكم)، وخرج بهم إلى المصلى، فصفَّ بهم، وكبّر عليه أربعَ تكبيرات"، رواه البخاري ومسلم.

وعن أنس بن مالك رضي الله عنه: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم نعى زيدًا، وجعفرًا، وابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرُهم، فقال: (أخذ الرايةَ زيدٌ فأُصيب، ثم أخذ جعفرٌ فأصيب، ثم أخذ ابنُ رواحة فأُصيب -وعيناه تذرفان-حتى أخذ الرايةَ سيفٌ مِن سيوف الله، حتى فتح الله عليهم). رواه البخاري.

ولم يثبت حديثٌ في "النَّهي عن النَّعي"، وإنما ورد في ذلك حديثان ضعيفان:

الأول:حديث عبدِ الله بن مسعود رضي الله عنه: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إِيّاكُم والنّعيَ، فإِنّ النّعيَ مِن عملِ الجاهليّةِ)، رواه الترمذي ورجح وقفه، وضعف سنده مرفوعًا وموقوفًا.

الثاني:عن بلال العبسي عن حذيفة بن اليمان أنه كان إذا مات له ميتٌ قال: (لا تُؤْذِنوا به أحدًا، إنّي أخافُ أنْ يكونَ نعيًا، إنّي سمعتُ رسولَ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم يَنهى عنِ النّعيِ). رواه أحمد والترمذي وحسنه، ولكن في سنده انقطاع، فبلالٌ العبسيُّ لم يسمع مِن حذيفةَ رضي الله عنه كما ذكر ابنُ معين، رحم الله الجميع.

ثالثًا:

الذي تدلُّ عليه عموماتُ الشريعة وقواعدُها أنّ النَّعي له صورتان:

الأولى: النَّعيُ المجرَّدُ، وهو الذي يُقتَصر فيه على الإخبار بموت الشخص، فهذا مباح، بل يستحبُّ إن ترتّب عليه مصالحُ شرعية كشهود جنازته والصلاة عليه والدعاء والاستغفار له، وأداء الحقوق له أو عليه.

وفي فتح الباري للحافظ ابن حجر: "إعلام الناس بموت قريبهم مباح...؛ لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدعاء له، والاستغفار، وتنفيذ وصاياه، وما يترتب على ذلك مِن الأحكام".

الثاني: النعي الذي يصاحبه شيءٌ من أعمال الجاهلية.

فإنْ صاحبَه تسخُّطٌ وجزعٌ أو نواحٌ وصراخٌ وعويلٌ: فهو محرَّم، وإن صاحبَه ذكرُ المفاخرِ والمآثر على سبيل التعاظم والتباهي: فهو مكروه. ينظر: الإعلام بفوائد عمدة الأحكام لابن الملقن.

قال إبراهيم النخعي: "لا بأس إذا مات الرجل أنْ يُؤذَنَ صديقُه [أي يُخبَر بوفاته]، إنما كانوا يكرهون أن يُطافَ به في المجالس: أنعي فلانًا كفعل الجاهلية". مصنف عبد الرزاق.

وقال أبو العباس القرطبي في المفهم: "النعي الذي كان مِن عمل الجاهلية إنما كان أنّ الشريف إذا مات فيهم بعثوا الركبان إلى أحياء العرب، فيندبون الميت، ويثنون عليه بنياحةٍ وبكاءٍ وصراخٍ وغير ذلك، وذلك هو الذي نُهي عنه".

وقال النووي في الأذكار: "النعيُ المنهي عنه إنما هو نعي الجاهلية، وكان من عادتهم إذا مات منهم شريفٌ بعثوا راكباً إلى القبائل يقول: نعايا فلان، أو يا نعايا العرب: أي: هلكت العرب بمهلك فلان، ويكون مع النعي ضجيج وبكاء".

وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: "النعيُ ليس ممنوعًا كلُّه، وإنما نُهي عمَّا كان أهلُ الجاهلية يصنعونه".

رابعًا:

الإخبار بوفاة الإنسان سواء على منبر الجمعة، أو منائر المساجد، أو في رسائل الجوال، أو مواقع التواصل الاجتماعي، أو شبكة الإنترنت، أو الصحف والمجلات: لا كراهة فيه.

فهذه كلُّها وسائل، والوسائل لها أحكام المقاصد، ولما كان النعي المجرد مباحًا كان استعمال هذه الوسائل في التبليغ عن الوفاة مباحًا.

وقد جاء عن جماعة مِن السلف كراهة "النعي المجرد"، ولم نقف على دليل شرعي يدل للكراهة، بل ظاهر السنة يدل على الجواز، كما قال ابن عبد البر في التمهيد: "وقد كان جماعة يكرهون ذلك، ورخص فيه آخرون، ودلائل السنة تدلُّ على جواز ذلك".

وقال ابن بطَّال في شرح صحيح البخارى: "وحديثُ النجاشي أصحُّ من حديث حذيفة، وأمَّا الذي نهى عنه صلى الله عليه وسلم فهو نعي الجاهلية وأفعالها".

خامسًا:

لا حرج في إبلاغ الناس بالوفاة مِن خلال مكبرات الصوت أو في الأسواق إذا اقتُصر فيه على مجرد الإعلام بالوفاة؛ إذ المقصود تبليغ أكبر قدْر مِن الناس، ونعيُ الجاهلية لم يُمنع لمجرد رفع الصوت، بل لما يصاحبه مِن أمور منكرة كرفع الصوت تضجرًا وسخطًا.

قال فخر الدين الزيلعي في تبيين الحقائق: "وكره بعضهم أن يُنادَى عليه في الأزقّة والأسواق؛ لأنه نعي أهل الجاهلية وهو مكروه، والأصحُّ أنه لا يكره؛ لأنَّ فيه تكثيرَ الجماعة مِن المصلين عليه والمستغفرين له، وتحريض الناس على الطهارة والاعتبار به والاستعداد، وليس ذلك نعيَ الجاهلية، وإنما كانوا يبعثون إلى القبائل ينعون مع ضجيجٍ وبكاء وعويل وتعديد، وهو مكروهٌ بالإجماع".

وقال ابن عابدين في حاشيته: "والأصحُّ أنه لا يكره إذا لم يكن معه تنويهٌ بذكره وتفخيمٌ، بل يقول: العبد الفقير إلى الله تعالى فلان ابن فلان الفلاني، فإنَّ نعي الجاهلية ما كان فيه قصد الدوران مع الضجيج والنياحة".

سادسًا:

رثاءُ الميت ليس مِن النعي المذموم إذا لم يتضمن مبالغةً يخرج بها الراثي عن الحدِّ، و"مازال كثيرٌ مِن الصحابة وغيرهم من العلماء يفعلونه على ممر الأعصار من غير إنكار"، كما ذكر ابن حجر الهيتمي في الفتاوى الفقهية الكبرى.

فلا حرج في تعداد محاسن الميت ومآثره، وإنما يحرم إذا كان ذلك على سبيل الجزع والسخط أو تضمن غلوًا وكذبًا.

قال الجويني في نهاية المطلب: "والقول الضابط في ذلك: أنّ كلَّ قولٍ يتضمَّن إظهارَ جزعٍ يناقض الانقيادَ والاستسلام لقضاء الله، فهو محرَّم".

وروى البخاري عن أنس رضي الله عنه قال: لما ثقُل النبيُّ صلى الله عليه وسلم جعل يتغشّاه، فقالت فاطمةُ رضي الله عنها: وا كرب أباه، فقال لها: (ليس على أبيكِ كربٌ بعد اليومِ)، فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه مَنْ جنَّةُ الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه.

ففي هذا دليلٌ على أنّ رثاء الميت لا بأس به إذا كان صدقًا، ولم يكن مؤذِنًا بالتسخّط على قضاء الله عز وجل.

قال الحافظ في فتح الباري: "يُؤخَذُ مِنه: أنّ تلكَ الألفاظَ إذا كان الميّتُ مُتّصِفًا بها لا يُمنَعُ ذِكرُه بها بعدَ مَوتِه، بخلافِ ما إذا كانت فيه ظاهرًا وهو في الباطنِ بخلافِ ذلك أو لا يتحقّقُ اتّصافُه بها، فيَدخُلُ في المنعِ".

وقال العيني في عمدة القاري: "هذا ندبةٌ مُبَاحَة لَيْسَ فِيهَا مَا يشبه نوحَ الجاهليّة مِن الْكَذِب ونَحوِه".

وقد قسَّم القرافي في كتابه "الفروق" المراثي إلى أربعة أقسام:

1-المراثي المباحة، وهي الخالية مِن ضجر أو تسخّط أو تسفيهٍ للقضاء وما أشبه ذلك.

2-المراثي المندوبة، وهي ما كان مُسهِّلًا للمصيبة مُذهِبًا للحزن، محسِّنًا لتصاريف القدر، مُثْنِياً على الربِّ تعالى.

3-المراثي المحرّمة، وهي ما كان مُبعِدًا للسَّلْوة عن أهل الميت، مهيجًا للأسف، معذّباً للنفوس، باعثًا على القنوط.

4-مراثي مِن كبائر الذنوب، وهي ما كان فيه اعتراضٌ على القضاء، وتعظيمٌ لشأن الميت وأنّ موتَه خلافُ الحكمة والمصلحة وما أشبه ذلك.

نسأل الله تعالى أنّ يرحم أمواتَ المسلمين، وأن يوفّق أحياءهم للتمسك بأحكام الشريعة، والحرص على تحقيق مقاصدها، ومخالفة أحوال أهل الجاهلية.  

والله أعلم.