الخميس 26 ربيع الأول 1439 هـ الموافق 14 ديسمبر 2017 م
حكم الانتفاع الشخصي بأجهزة وممتلكات المؤسسات الخيرية
رقم الفتوى : 86
الاثنين 2 ربيع الأول 1439 هـ الموافق 20 نوفمبر 2017 م
عدد الزيارات : 761

 

حكم الانتفاع الشخصي بأجهزة وممتلكات المؤسسات الخيرية

 

السؤال:
تُسلّم للعاملين في الجهات الخيرية التي تقوم على تبرعات المحسنين بعضُ الأجهزة والأدوات لاستخدامها في العمل (على سبيل المثال: سيارة، جهاز حاسب، جوال ...)، فهل يجوز استعمالُ تلك الأجهزة في الانتفاع الشخصي أو لغير مصلحة العمل ؟
نرجو منكم بيان الحكم لمسيس الحاجة إليه، وعموم البلوى به، وجزاكم الله خيراً.

 

الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فما يُعطى للعامل والموظف مِن أجهزةٍ وأدواتٍ وأموالٍ لاستعمالها في العمل يُعد أمانةً في يده، يجب عليه أن يحافظ عليها، وألا يستعملها في غير ما جُعلت له مِن مصلحة العمل، إلا إن كان ذلك بإذنِ مَن له الإذنُ، أو جرى العرفُ بالتسامح فيه، فإن تعدَّى أو فرَّط فعليه الضمان، وبيانُ ذلك كما يلي:
أولاً: الأدواتُ والأموالُ والأجهزةُ التي تعطيها المؤسسات للموظفين لأجل العمل مِن الأمانات التي تجب المحافظة عليها، واستعمالها في مصلحة العمل. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا} [النساء: 58].
وامتدح الله المؤمنين بالحفاظ على الأمانة بقوله: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8]، ونهاهم عن خيانة الأمانة، والإخلال بحقّها، فقال سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال: 27]، وقال صلى الله عليه وسلم:(أدِّ الأمانَةَ إلى مَنِ ائتمنكَ، ولا تخُنْ مَن خانك) رواه أبو داود والترمذي وحسنه.
وأوجب الإسلامُ الحفاظَ على أملاك الناس وأموالهم، وحرّم الاعتداءَ عليها والتصرّفَ فيها بغير إذنهم ورضاهم، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [البقرة: 188].
وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إنّ دماءكم وأموالكم وأعراضكم بينكم حرامٌ، كحرمة يومِكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا ) متفق عليه، وقال : (لا يحلُّ مالُ امرئٍ إلا بطيبِ نفسٍ منه) رواه أحمد.


ثانيًا: الاعتداءُ على الأموالِ العامّة التي تعود لعموم المسلمين، أو طائفةٍ منهم، ولا يتعيّن لها مالكٌ محدّدٌ: مِن الذُّنوب العظيمة، والجرائم الكبيرة، بل هي أشدّ حرمةً، وأحقُّ مراعاةً مِن الأموال الخاصَّة؛ لأنَّ التعدّي على المال الخاص إنّما يَضُرُّ فردًا أو أفرادًا معدودين، أمّا تضييع المال العام فيضرُّ الأُمَّةَ كُلَّها، أو طائفةً عظيمةً منها.
وقد ثبت في صحيح البخاري عن خولةَ الأنصارية رضي الله عنها قالت: سمعتُ النبي صلى الله عليه وسلم يقول: (إنّ رجالاً يتخوّضون في مال الله بغير حق، فلهم النارُ يوم القيامة).
قال الحافظ ابنُ حجر في "الفتح": "أي: يتصرفون في مال المسلمين بالباطل" .
وفي حديث عَدي بن عَميرة الكِندي: أنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مَن استعملناه منكم على عملٍ فليجئْ بقليلِه وكثيره، فما أُوتي منه أخذ، وما نُهي عنه انتهى) رواه مسلم.
قال الـمُناوي في "التيسير بشرح الجامع الصغير: " وهذا مسوقٌ لحثّ العمّال على الأمانةِ، وتحذيرهم مِن الخيانةِ، ولو في تافهٍ".
وممّا يعظّم أمرَ المال العام أنّ ردّ الحقّ إلى أصحابه أو التحلّل منهم غيرُ ممكن، قال الملا علي القاري في "مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح" معلّقاً على الحديث السابق: " وفيه تهديدٌ عظيمٌ، ووعيدٌ جسيمٌ في حقِّ مَن يأكل مِن المال الذي يتعلّق به حقُّ جمعٍ مِن المسلمين كمالِ الأوقاف، وكمال بيت المال؛ فإنَّ التوبةَ مع الاستحلال، أو ردّ حقوق العامة متعذّرٌ، أو متعسّرٌ".
وقد حذّر الفاروق عمر رضي الله عنه مِن الاستهانة بالمال العام فقال: " لا يترخّص أحدُكم في البَرْذَعة أو الحبل أو القَتَب؛ فإنّ ذلك للمسلمين، ليس أحدٌ منهم إلا وله فيه نصيبٌ، فإنْ كان لإنسانٍ واحدٍ رآه عظيماً، وإن كان لجماعة المسلمين أرخص فيه، وقال: مالُ الله!" أخرجه أبو عبيد في كتاب "الأموال". و(البَرْذَعةُ) و(القَتَبُ): ما يوضع على الدّابة.


ثالثاً: إذا كانت هذه الأدوات أو الأجهزة مِن أموال التبرعات أو الزكوات أو الأوقاف: فالأمرُ فيها أشدُّ؛ لأنها اعتداءٌ على أهل الحاجة الذين أمر الله سبحانه بالإحسان إليهم، وقد توعد الله عزّ وجلّ مَن يخوض في مال الأيتام ومَن في حكمهم بأشدّ الوعيد، فقال تعالى: {إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ اليَتَامَي ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً} [النساء: 10].
فالأصلُ في الاستعمال الشخصي لهذه الأجهزةِ والأدواتِ التحريمُ، سواء كان لمنفعة الشخص نفسه، أو لأصدقائه وأقاربه.
قال ابن تيمية في "الفتاوى": "ولا يجوز للإمام أن يعطي أحداً ما لا يستحقه لهوى نفسه: مِن قرابةٍ بينهما أو مودّة ونحو ذلك".
فإذا كان الإمامُ العام الذي له حقّ النظر في الأموال العامة ليس له أن يحابي أحداً مِن قرابته وأحبّته، أو يعطيهم ما لا يستحقّون، فمَن دونه ممّن ولي شيئاً مِن التصرف في الأموال العامة مِن باب أولى.


رابعاً: يجوز للموظف الاستفادة مِن هذه الأدوات -استثناءً مما سبق- في الحالات التالية:
1- إذا أذن مالكُ المال كصاحب الشركة، أو المؤسسة أو نائبُه باستعمال هذه الأدوات في الأمور الخاصة؛ لأنّ المالَ مالُه، وله أن يتصرّف فيه كما يشاء، أو يأذن فيه لمن يشاء، ويتقيَّد التصرف بقدر إذنه، ومثلُه أنْ يأذن المتبرعُ للمؤسسة وموظفيها بالتّصرّف أو الاستفادة مما يتبرّعُ به، فإذا لم يكن هناك إذنٌ مِن صاحب المال أو المتبرّع فلا يجوز.
ومديرُ الجمعية الخيرية مؤتَمنٌ على ما تحت يدِه مِن أموالٍ وأدواتٍ، فلا يجوز له أن يأذن للموظفين بالتصرف فيها إلا أنْ يُجعل له هذا الحقُّ مِن قِبَل الواقف أو المتبرّع.
2- الأدوات والأشياء التي لا تحتاجُها المؤسسة، وترغب بالتخلّص منها، ولا يُستفاد منها، وليس لها قيمةٌ معتبرة فلا حرج على مَن أخذها وانتفع بها أو أعطاها لمن ينتفع بها؛ فهو خيرٌ مِن إتلافها.
3- الاستعمالُ اليسير عرفاً الذي جرت العادة بالتسامح به؛ فالمعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، ويتضمّن صوراً، منها:
أ- الاستخدام اليسير للأدوات في مقرّ العمل بما لا يؤثر على سير العمل أو أداء الأدوات، ولا بدّ هنا مِن التفريق بين ما يُستهلك باستخدامه كأوراق التّصوير فلا بدّ فيه مِن الإذن، وبين ما لا يستهلك، ولا يضرّ استخدام الموظف له كالمسطرة، وشاحن الجوال والحاسب، وكذا الانتفاع اليسير كشحن الأجهزة الشخصية بالكهرباء من جوال، ونحو ذلك.
ب- إذا كان الاستخدامُ تبعاً لا استقلالاً، كإيصال شخصٍ بسيارة الجمعية أثناء طريقه لعملٍ تابعٍ للجمعية إذا كان لا يحتاج إلى مسافة إضافية معتبرة، أو تكاليف زائدة.
وفي حال جواز استعمال هذه الأدوات فلا بدّ مِن الحفاظ عليها مِن التّلف أو الضياع أو الاستهلاك، كما لا يسوغ أن يزاحِمَ استخدامُها لمنفعةٍ شخصيةٍ الاستخدامَ الأصلي لمصلحة العمل، أو يؤثّر عليه في الوقت، أو الجهد، أو الإمكانات والتكاليف، فيجوز مثلاً استخدامُ شبكة الإنترنت الخاصة بالمنشأة إذا لم يؤدّ ذلك إلى قصورٍ في الأداء الوظيفي، أو إلحاق ضررٍ بأجهزة المنشأة، أو يترتب على هذا الاستخدام رسومٌ إضافيةٌ.
والذي يوصى به: أن يكون ذلك تحت إشراف المدير الفعلي للعمل أو مَن ينيبه عنه مِن لجنة مالية أو إشرافية ونحوها؛ فيتولّى تنظيمَ هذا الأمر وضبطَه؛ لئلا يتوسع العاملون في ذلك فيقعوا في المحظور.


خامساً: الأسلمُ للمسلم الحريص على دينه، والأحوطُ في حقّه أن يتورّع عن كلّ ما لا يملك مِن الأموال الخاصة والعامة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (فمَن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومَن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمى يوشك أن يرتعَ فيه) متفق عليه، وقوله صلى الله عليه وسلم: ( دعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك ) رواه الترمذي والنسائي.
وقد ثبت في صحيح السنّة أنّ الإنسان مسؤول أمامَ الله عزَّ وجلَّ عن هذا المال: مِن أين اكتسبه؟ وفيمَ أنفقه؟

فينبغي على القائمين على هذه الأجهزة أن يستشعروا عِظم الأمانة والمسؤولية التي تحمّلوها، وأنهم محاسَبون أمام الله ومسؤولون عما تحت أيديهم، فليتقوا الله وليراقبوه، وليتذكّروا سيرة السلف العطرة في أداء الحقّ، ومراقبة الله في المال الذي استُخلفوا عليه، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "إني أنزلتُ نفسي مِن مال الله بمنزلة قيّم اليتيم، إن استغنيتُ عنه تركتُ، وإن افتقرتُ إليه أكلتُ بالمعروف" أخرجه ابن أبي شيبة، وصحح إسنادَه ابنُ حجر في "فتح الباري" .


سادسًا: مَن سبق منه الخطأ والتهاون في استخدام هذه الأجهزة التي ائتُمن عليها بغير وجه حق، أو أتلف منها شيئًا، فليبادر بالتوبة النّصوح، ويتكفّل بضمان ما أتلف أو استهلك إما بأداء المثل أو القيمة أو أجرة المثل، أو قدْرِ النّقص بحسب كلّ حالة.
وعلى المدراء والمسؤولين في المؤسسات الخيرية ألا يستعملوا في أعمالهم مَن ظهر منه التهاون والاستهتارُ بالأموال العامة، أو عُرف عنه عدمُ الحرص على حفظها، والقيام بحقّها.
ونسأل الله سبحانه أن يوفّق القائمين على المؤسسات الخيرية، والهيئات الإغاثية والخدمية وغيرها، وكافة العاملين فيها لأداء الأمانة، والقيام بالواجب، وتحمّل المسؤولية، والابتعاد عن المحظورات، والتورّع عن المشتبهات.


والحمد لله ربّ العالمين.

محمد احمد | سوريا
الاثنين 2 ربيع الأول 1439 هـ الموافق 20 نوفمبر 2017 م
جزاكم الله خيرا ونفع بكم 
موضوع هام هام