الجمعة 30 محرّم 1439 هـ الموافق 20 أكتوبر 2017 م
هل يجوز تثبيت سعر صرف العملة قبل العقد؟
رقم الفتوى : 85
الخميس 8 محرّم 1439 هـ الموافق 28 سبتمبر 2017 م
عدد الزيارات : 448

 

هل يجوز تثبيت سعر صرف العملة قبل العقد؟

 

السؤال: تعتمد الكثير مِن مكاتب الصرافة وتبديل العملات على تداول الأسعار عبر وسائل التواصل كالواتس أو الاتصال الهاتفي، حيث يتم البيع والشراء بتثبيت الصرف على سعر معين، ويحدد مقدار ما سيدفعه كل طرف للآخر، ثم يكون التسليم في وقت لاحق، وهذا الأمر أصبح عرفًا بينهم وملزمًا للطرفين، لكنه دون تقابض.
علمًا أن الوضع في الداخل يحتاج بضرورة ملحة للبيع والشراء عبر الهواتف؛ لخطورة التنقل بين المناطق بسبب القصف، أو عصابات السرقة، وتجنبًا لاستغلال بعض الصرافين للبائع عند وصوله إليهم بعد مشقة باضطراره للبيع بأقل مِن ثمن المثل.
نرجو الإجابة وجزاكم الله عنا كل خير.


الجواب:
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:
فيُشترط لصحّة صرف العملة التقابض في مجلس العقد، ولا يصحّ الصرف دون تقابض، أو بالقبض من طرفٍ واحد، وذلك مِن الربا، وبيان ذلك كما يلي:
أولاً: بيع "العملات النقدية" بعضها ببعض يُسمَّى عند الفقهاء "الصرف"، ويشترط لجوازه شروط زائدة على شروط البيع المعروفة، ومِن أهمها: أن يتمّ التقابض بين الطرفين في مجلس العقد، بألا ينتهي اجتماع المتعاقدين إلا وقد قبض كلٌّ منهما نصيبه مِن المال المعقود عليه.
قال صلى الله عليه وسلم: (الذّهبُ بالذّهبِ ، والفضّةُ بالفضّةِ ، مِثلاً بمثلٍ سواءً بسواءٍ يدًا بِيَدٍ، فإِذا اختلفت هذهِ الأصنافُ فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيدٍ) رواه مسلم.
ومعنى (يداً بيد)، أي: لا يفترق البائع والمشتري قبل أن يقبض كلُّ واحدٍ منهما ما يخصُّه مِن النقود.
وقد دلّ الحديث على وجوب التقابض في بيع الذهب والفضة، والعملات النقدية تقوم مقام الذهب والفضة.
فإن انتهى مجلس التعاقد دون تقابضٍ منهما أو مِن أحدهما: فالعقد محرّمٌ وباطل، وهو مِن ربا النَّسيئة، أي التأخير والتأجيل.
ثانيًا: تثبيت السّعر في صرف العملات له صورتان:
الصورة الأولى: أن يكون مِن باب "المواعدة" بين الطرفين على صرف العملة بسعرٍ محدّد، دون أن يعتبر ذلك السّعر ملزماً في العقد النهائي، فهذا لا حرج فيه؛ لأنَّ ذكر السعر هنا للاستئناس بمعرفة الأسعار على وجه التقريب، والعقدُ الحقيقي يكون عند تقابل الطرفين واستلام وتسليم المال.
ويشترط أن يكون السعر المذكور غيرَ ملزمٍ للطرفين، فلكلٍّ منهما الرجوع عنه وتغييرُه، وأن لا تقترن المواعدة بما يدلّ على وقوع العقد أو الإلزام به، كتعجيل بعض الثمن، أو وجود رهن أو غيره.
قال الإمام الشافعي في" الأم ": "وإذا تواعد الرّجلان الصّرفَ: فلا بأسَ".
الصورة الثانية: أن يكون هذا الاتفاق مِن "التعاقد الملزم للطرفين" بحيث يتفقان على الصرف بسعر معين، ويثبت في ذمّة كلِّ واحدٍ منها المبلغ المتفق عليه للطرف الثاني، ثم يكون الاستلام والتسليم في وقت آخر.
فهذه المعاملة التي يحصل فيها الانفصال بين "مجلس التعاقد" و"التقابض": يكون العقد فيها باطلاً، ولا يحل القيام به؛ لانعدام شرط المصارفة، وهو "التقابض في مجلس العقد".
ثبت في الصّحيحين مِن حديث البراء بن عازب، وزيد بن أرقم رضي الله عنهم قالا: كنّا تاجرَين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسألْنا رسولَ الله صلى الله عليه وسلم عن الصّرف، فقال: (إن كان يداً بيدٍ فلا بأس، وإن كان نَساءً فلا يصلح)، ولفظُ مسلمٍ : (وما كان نسيئةً فهو ربا).
قال ابن المنذر في "الإشراف على مذاهب العلماء" : " وأجمع كلُّ مَن أحفظ عنه مِن أهل العلم على أنّ المتصارفين إذا افترقا قبل أن يتقابضا: أنّ الصرفَ فاسدٌ". 
ثالثًا: الطريقة الشرعية للتعامل في مثل هذه الحالات المذكورة:
أن يقتصرا على المواعدة الجائزة فقط، ثم يكون الصرفُ والتعاقد بينهما مع التقابض في مجلس العقد.
أو أن يكون لكلٍّ مِن المتعاقدَين وكيلٌ عند الطرف الآخر، وعند الاتفاق على الصّرف يقوم كلٌّ مِن المتعاقدَين بتسليمِ وكيلِ الطرف الآخر المبلغَ المتفق عليه، فيكون التقابض بينهما قد تحقّق.
والله أعلم.