الخميس 4 ذو القعدة 1438 هـ الموافق 27 يوليو 2017 م
ما توجيهكم لمن يقول: أين الله مما يحصل لنا؟
رقم الفتوى : 10
الاثنين 21 ربيع الأول 1433 هـ الموافق 13 فبراير 2012 م
عدد الزيارات : 13716

      السؤال:

      الإخوة في المكتب العلمي لهيئة الشام الإسلامية، بدأنا نرى في الفترة الأخيرة بعض التعليقات على المجازر مثل (أين الله مما يحصل؟)، بل وصل ظاهر بعضها إلى التشكيك بوجود الله أو برؤيته لما يحدث ... فما توجيهكم لمن يتلفظ بمثل ذلك ؟

________________________________________

     

الجواب:

      الحمد لله، الصبور الشكور، العليّ الكبير، السميع البصير، العليم القدير، الذي شملت قدرته كل مخلوق وجرت مشيئته في خلقه بتصاريف الأمور... ونشهد أن لا اله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله، وبعد:

      لا شك أن فيما نزل ببلاد الشام الحبيبة هذه الأيام العصيبة من قتل وتشريد وبلاء ليحز في نفوس المؤمنين، مما يرى ويشاهد من تكالب الأعداء وقلّة الناصر وعجز الأصدقاء!

      ولكن المؤمن الذي ينظر لما يجري بعين البصيرة والاستسلام، ويستحضر في هذا المقام قول ربنا الملك العلام:"أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ". البقرة:214، وقوله تعالى:"إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا".الأحزاب:10-12. وقوله تعالى:"وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ".آل عمران: 139-140.

      وليعلم أهلنا في بلاد الشام أنه قد وقع مثل هذا لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى أقبلوا عليه طالبين منه الدعاء والتضرع إلى الله ليكشف عنهم مصابهم، إلا أنهم -رضي الله عنهم- ما زادوا على أن قالوا: "متى نصر الله؟"، وقالوا: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فحثهم -عليه الصلاة والسلام- على التحلِّي بالصبر، وعدم استعجال النصر، وقصَّ عليهم مثلاً مما أصاب مَن قبلهم، فقال: "كان الرجل فيمن قبلكم يُحفر له في الأرض، فيُجعل فيه، فيُجاء بالمنشار، فيوضَع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه. ويُمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عظمٍ أو عصبٍ، وما يصدُّه ذلك عن دينه، والله لَيُتِمَّنَّ الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون". رواه البخاري.

      واقرأ معي أيها المبارك قوله تعالى:"وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ * وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ *فَآتَاهُمُ اللَّهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ".آل عمران: 46.

      وتأمل كيف يحثُّنا ربُّنا -عز وجل- على الاقتداء بمن سلف من أتباع الرسل الذين صبروا في المواقف الصعبة، ولهجت ألسنتهم بالتوبة والاستغفار وطلب النصر والتثبيت.

      فالابتلاء من الله بالمصائب والشدائد والقتل للمؤمنين إنما يجري لحكمٍ جليلة،منها:

- محبة منه -جل جلاله- لعباده؛ وذلك طهارة لهم من الذنوب، ورفعة لهم في الدرجات؛ فعن مصعب بن سعد عن أبيه قال: قلت يا رسول الله أي الناس أشد بلاء ؟ قال:" الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينه صلباً اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على حسب دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئة". قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

- ومنها: معرفة المجاهدين المؤمنين المحتسبين المستسلمين لقضاء الله وقدره من غيرهم:" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ". محمد: 47.

- ومنها: اختبار إيمان الناس، ورضاهم بما قدر الله، وتصديقهم بوعد الله:" وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ". البقرة: 155-157.

- ومنها: أن سنَّة الله في عباده المؤمنين اقتضت أن لا يمكنوا إلا بعد الابتلاء والتمحيص الشديد:" أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ". البقرة:214. ومنها وهو أعظمها: اتخاذ الشُّهداء:"وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ". آل عمران:140.

       فكم لله سبحانه على عباده الأحياء والأموات في الموت من نعمةٍ لا تحصى! فكيف إذا كان فيه طهرة للمقتول؟! وقد جاء في حديث أبي داود الذي صححه بعض العلماء عن أبي موسى-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه و سلم:" أمتي هذه أمة مرحومة، ليس عليها عذاب في الآخرة، عذابها في الدنيا الفتن والزلازل والقتل".

جزى الله عنّـا الموتَ خيراً فإنّه... أبرُّ بنا مـن كل شيء وأرأف

يعجِّل تخليصَ النُّفوس من الأذى... ويدني من الدَّار التي هي أشرفُ

    

 وليعلم الأخ السائل أن الابتلاء يقتضي استخراج ما عند المبتلى من الطّاعة والمعصية، واختبار إيمانه واستسلامه لأمر الله سبحانه، فكان لا بدَّ من هذا الابتلاء الظاهر المكشوف لكل الناس، كي يعز الدِّين على النفوس بمقدار ما أدوا في سبيله من تكاليف وصبر، فكلَّما تألموا في سبيله كلما بذلوا من أجله، وكلما بذلوا من أجله كان أعزَّ عليهم من كل شيء.

      وكذلك لن يُدرك الآخرون قيمة الدِّين وعظمته إلا حينما يرون ابتلاء أهله وصبرهم على البلاء من أجله، وحينئذٍ سيقولون: لو لم يكن عند هؤلاء من الخير أكبر وأعظم مما ابتلوا به ما قبلوا هذا البلاء، ولا صبروا عليه.

      كما أن من طبيعة الابتلاء بالشدَّة أن يوقِظ الفطرة التي ما يزال فيها خير يرجى، وأن يرقق القلوب التي طال عليها الأمد، وأن يتجه بالبشر الضِّعاف الغافلين إلى خالقهم القهَّار، يتضرعون إليه، ويطلبون رحمته وعفوه، ويعلنون بهذا التضرُّع عن عبوديتهم له.

      ولا بد أن نعلم جميعاً، ويعلم كل مبتلى: أن الخلق كلّهم راجعون بعد الموت إلى الله، محشورون إليه على كل حال، سواء ماتوا على فرشهم، أو ماتوا وهم يضربون في الأرض، أو قتلوا وهم يجاهدون في الميدان، وما لهم مصير سوى هذا، والتفاوت إنما يكون في النية والعمل الصالح، أما النهاية فواحدة.

      وبهذا اليقين تستقرُّ في القلوب حقيقة الموت والحياة، وحقيقة قدر الله، وبذلك تطمئن القلوب إلى ما كان من ابتلاءٍ جرى به القدر، وإلى ما وراء القدر من حكمة، وما وراء الابتلاء من جزاء:" وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ". المنافقون: 11.

      ثم نوصي أنفسنا وأهلنا بالرجوع إلى الله جل وعلا، والاعتصام بحبله، وكثرة الاستغفار؛ لأنه ما ينزل بلاءٌ إلا بذنب، ولا يرفع إلا بتوبة، كما قال سلفنا.

      فالمؤمن شاكر على النعم، صابرٌ على المحن، راضٍ بما قدر الله عليه من البلاء، حافظ لسانه عن التسخُّط وما لا يجوز من الكلام، وبهذا يحظى بالخير والعطاء من الرب الكريم، فعن صهيب-رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"عجباً لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضرَّاء صبر فكان خيراً له". رواه مسلم.

      ونبشِّر أهلنا أنَّ عظم البلاء مع عظم الجزاء، وكلما اشتدّ الكرب اقترب الفرج والنصر:" حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ". البقرة: 214.

      اللهم ارحم ضعفنا، واجبر كسرنا، وانصرنا على من عادانا وبغى علينا، اللهم ارحم شهداءنا، وعاف مرضانا، وداو جرحانا، وبلغنا اللهم مما يرضيك آمالنا، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

من سوريا | سوريا
الاثنين 21 ربيع الأول 1433 هـ الموافق 13 فبراير 2012 م
جزيتم خيرا على هذا الشرح اللطيف 
أمل | مصر
السبت 15 جمادى الأول 1433 هـ الموافق 7 أبريل 2012 م
اسأل الله العظيم أن يوقظ المسلمين جميعامن غفلتهم قبل أن يصيبهم الله بذنوبهم فى حق انفسهم ودينهم ومن تقصير فى نصرة اخوانهم
عبدالرحمن | ارض الله
الجمعة 21 جمادى الأول 1433 هـ الموافق 13 أبريل 2012 م
إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ
فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ
اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ- براءة 111
الجوهرة المعيوف | المملكة العربية السعودية - الرياض
الجمعة 11 رجب 1433 هـ الموافق 1 يونيو 2012 م
جزاكم اله خير الجزاء
كلام وافٍ جزل محكم مقنع.
نسأل الله نصراً مبيناًقريباً، إنه ولي ذلك والقادر عليه. 
بلال | السعودية
الاثنين 28 رمضان 1434 هـ الموافق 5 أغسطس 2013 م
 أُمَّتِي هذه أُمَّةٌ مرحُومةٌ ، ليس عليْها عذابٌ في الآخِرَةِ ، إنَّما عذابُها في الدنيا الفِتنُ والزَّلازِلُ والقتْلُ والبلايَا

الراوي:	 أبو موسى الأشعري عبدالله بن قيس المحدث:الألباني - المصدر: صحيح الجامع - الصفحة أو الرقم: 1396
خلاصة حكم المحدث: صحيح 
المصدر : الدرر السنية
moufida | algeria
الخميس 8 شوّال 1434 هـ الموافق 15 أغسطس 2013 م
جازاكم الله عنا خيرا ... تلقينا العديد من هذه التساؤلات ممن حولنا ... وساعدتمونا على استيعاب الاجابة .. بوركتم 
بكري | الكويت
الثلاثاء 3 ذو القعدة 1436 هـ الموافق 18 أغسطس 2015 م
جزاكم الله خيراً.
امنة عمري | Netherlands
الأحد 28 ربيع الآخر 1437 هـ الموافق 7 فبراير 2016 م
م مصيبة كبرى حلت بنا جميعا سهل جدا أن نطلب من أهلنا بالشام الصبر لكن لاختيار لهم الأ الصبر  و لندعوا لهم :
اللهم أفرغ صبرا على أهلنا بالشام و ثبت أقدامهم و انصرهم على القوم الكافرين
جازاكم الله خيرا على هذا الكلام الطيب
بدر | Syria
السبت 19 صفر 1438 هـ الموافق 19 نوفمبر 2016 م
وو ماذا عن موت الاطفال موتاً بطيئاً خوفاً و رعباً و اختناقاً تحت ركام منازلهم المهدمة..؟ ما الحكمة في موت هؤلاء الأبرياء بهذه الطريقة
البشعة ؟ لماذا لا يكون موتهم سهلاً سريعاً؟ أن يتم اختبار صبر الأهل على ذلك مفهوم و لكن ما لا أفهمه هو لماذا على هؤلاء الأطفال أن يعانوا إلى
هذه الدرجة عند موتهم؟؟؟؟؟؟
هيئة الشام الإسلامية_المكتب العلمي | سوريا
الجمعة 3 ربيع الأول 1438 هـ الموافق 2 ديسمبر 2016 م
الأخ بدر من سوريا
ما يقع مِن المعاصي والجرائم في الكون وإن كان بتقدير الله وعلمه فلا يعني أنه عز وجل يحبه ويرضاه، فإنه يقع في الكون ما يحبه وما يبغضه، وما
يرضاه وما يسخطه، وذلك ليتحقّق ما أراده الله في هذه الدنيا مِن الابتلاء والاختبار والتّكليف، فلو كان سبحانه يمنع الناس مِن فعل ما لا يحبه،
ويحجبهم عن الوصول إلى ما لا يرضاه لما تحقّق الامتحان، ولما ظهر المجرمون والطغاة الذين يستحقون أن يقاسوا حرّ جهنم، ولما ظهر الصالحون المتقون
الصابرون الذين يستحقون النّزول في دار الرضوان، فكلُّ ما في الأمر أنّ الله سبحانه خلق الناس وأعطاهم القدرة، وأعطاهم الإرادة والاختيار، ثم
دلّهم بإرسال الرسل وإنزال الكتب على طريقه، وبين لهم ما يحبه وما يبغضه، وما يوصل إلى دار كرامته ودار أعدائه، وأنهم سيحاسَبون على كلّ ما يصدر
منهم بعد موتهم، وتركهم يعملون ما يشاؤون مِن خير وشر، وإحسان واعتداء بعلمه وقدَرِه، ثم يجمعهم ليوم الجزاء العادل، ويعطي كلاً ما يستحقّه مِن
ثواب وعقاب .
ولا بدّ للمسلم أن يعلم أنه لا يقع شيء في هذا الكون إلا لحكمة أرادها الله تعالى، وهذه الحكمة قد نعلمها وقد لا نعلمها، فإنْ علمها المسلم زادته
إيماناً إلى إيمانه، وإنْ لم يعلمها صبر عليها ورضي وسلّم، وبذلك تهدأ نفسه ويطمئن قلبه، مصداقاً لقوله تعالى: {ومن يؤمن بالله يهد قلبه}
[التغابن: 11].
قال علقمة في هذه الآية: "هي المصيبةُ تصيب الرّجلَ فيعلم أنها مِن عند الله، فيسلّم لها ويرضى".
ورأى علي بن أبى طالب رضي الله عنه أحد المبتلَين فقال له: " إنه مَن رضي بقضاء الله جرى عليه فكان له أجرٌ، ومَن لم يرض بقضاء الله جرى عليه فحبط
عمله".
وورد عن ابن مسعود رضي الله عنه أنه قال: "إنّ الله تبارك وتعالى بقسطه وعلمه جعل الرَّوح والفرج في اليقين والرضا، وجعل الهمّ والحزن في الشّك
والسّخط".
وإصابةُ الأطفال ومعاناتهم أمرٌ شديدٌ على النّفس، مكروهٌ إلى القلوب مِن حيث ما يقع فيه مِن آلام ومعاناة، لكن وقوع ذلك عليهم ليس مِن العقوبة
لهم، ولا ينافي رحمةَ الله الواسعة، وإنّما يحصل ذلك  لحكمة يعلمها الله سبحانه، وقد تخفى على بعض الناس، ومنها ما أشرنا إليه مِن أنّ مِن ضرورات
التكليف والامتحان أن يُترك للناس الحرية والاختيار فيما يقومون به مِن عمل، ولو كان الاعتداءُ على الأطفال وغيرهم مِن الأبرياء سيؤدي إلى خرق
العادة بتدخّل القدرة الإلهية لإنقاذهم لما تحقّق الابتلاء والاختبار، ولذهبت فائدة الإيمان بالغيب، ولكان هذا سبباً لإيمان مَن ليس مؤمناً في
الحقيقة؛ لأنّ الناس إذا رأوا الآيات العظيمة أو نزولَ العذاب العام آمنوا جميعاً كما يحدث عند طلوع الشمس مِن مغربها، وإيمان الناس في هذه
ابحال ليس نافعاً لهم، كما قال سبحانه : {يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ
قَبْلُ } [الأنعام: 158]، وقال عز وجل : {فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا} [غافر: 85] ، قال قتادة في تفسيرها كما في
"تفسير الطبري" : " لما رأوا عذابَ الله في الدنيا لم ينفعهم الإيمان عند ذلك" .
وهذه الآلام والمصائب مِن طبائع الحروب الملازمة لها، وليست بأشدّ مما يقع في مصائب أخرى كالحرائق، والزلازل والبراكين، والأمراض المعدية،
وخطر الحيوانات المفترسة، وحوادث الاختطاف وغيرها، وقد يقع في بعض ذلك من الآلام للأطفال والأبرياء ما لا يقع في القصف .
ومِن الحِكَم التي ذكرها أهل العلم في إصابة الأطفال ببعض الآلام ما قاله الإمام القرطبي في "تفسيره": "قال العلماء: كما اشترى من المؤمنين
البالغين المكلفين كذلك اشترى مِن الأطفال فآلمهم وأسقمهم؛ لما في ذلك مِن المصلحة، وما فيه مِن الاعتبار للبالغين فإنهم لا يكونون عند شيء أكثر
صلاحاً وأقل فساداً منهم عند ألم الأطفال، وما يحصل للوالدين الكافلين مِن الثواب فيما ينالهم مِن الهم ويتعلق بهم مِن التربية والكفالة، ثم هو
عز وجل يعوّض هؤلاء الأطفال عوضاً إذا صاروا إليه، ونظيرُ هذا في الشّاهد أنك تكتري الأجير ليبني وينقل التراب، وفي كلِّ ذلك له ألمٌ وأذى، ولكن
ذلك جائزٌ؛ لما في عمله مِن المصلحة، ولما يصل إليه مِن الأجر".
والله أعلم .