الاثنين 6 رمضان 1439 هـ الموافق 21 مايو 2018 م
التأصيل أولاً
الجمعة 30 جمادى الأول 1439 هـ الموافق 16 فبراير 2018 م
عدد الزيارات : 609

 

التأصيل أولاً


لابدَّ لكل سائر في الطريق من التأصيل، بل كلُّ إنسانٍ سواء كان مؤمناً أو كافراً لايستغني عن التأصيل في حياته، بل الجمادات كالأبنية لا تقوم إلا على أساس متين وإلا انهارت على رؤوس أصحابها.
قال شيخ الإسلام في "مجموع الفتاوى" (19/ 203):"ونحن نذكر " قاعدة جامعة" في هذا الباب لسائر الأمة فنقول: لابدَّ أن يكون مع الإنسان أصولٌ كليةٌ تُرَدُّ إليها الجزئيات ليتكلم بعلمٍ وعدلٍ، ثمَّ يعرف الجزئيات كيف وقعت؟ وإلا فيبقى في كذبٍ وجهلٍ في الجزئيات، وجهلٍ وظلمٍ في الكليات؛ فيتولد فساد عظيم".
قال في " لسان العرب " :" أَصُلَ الشيء : صارَ ذا أَصلٍ ، وكذلـك تأصّلَ ، والأَصلُ: أَسفل كل شيء. ويقال رجل أصيل : ثابت الرأي عاقل".
ونقصد بالتأصيل: أن يبني المسلم علمه وعمله على أصولٍ ثابتةٍ راسخةٍ مصدرها الكتاب والسنة وفهم سلف الأمة ، مستنيراً بتأصيلات الأئمة الأعلام في القديم والحديث.
قال ابن القيم في"الفوائد"ص275:" من أراد علوَّ بنيانه فعليه بتوثيق أساسه وإحكامه وشدة الاعتناء به، فإنَّ البنيان على قدر توثيق الأساس وإحكامه، فالأعمـال والدرجـات بنيانٌ وأساسُها الإيمان، ومتى كان الأساس وثيقاً حمل البنيان، واعتلى عليه ، وإذا تهدَّمَ شيءٌ من البنيان سَهُلَ تداركه، وإذا كان الأساس غير وثيق لم يرتفـعْ البنيان ولم يثبت، وإذا تهدّمَ شيءٌ من الأساس سقطَ البنيانُ أو كاد.
فالعارف همته تصحيح الأسـاس وإحكامه، والجاهل يرفع في البناء عن غير أساس فلا يلبث بنيانه أن يسقط.
قال تعالى:{أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ } [التوبة: 109].
فاحمل بنيانك على قوة أساس الإيمان، فإذا تشعث شيء من أعالي البناء وسطحه، كان تداركه أسهل عليك من خراب الأساس.
وهذا الأساس أمران :
الأول : صحة المعرفة بالله وأمره وأسمائه وصفاته.
والثاني : تجريد الانقياد له ولرسوله دون ما سواه.
فهذا أوثق أساس  أَسَّسَ العبدُ عليه بنيانه، وبحسبه يَعتلي البناء ما شاء" انتهى.
والآية السابقة نزلت في حق مسجد الضـرار الذي بناه المنافقون كفراً وتفريقاً وإرصاداً لمن حارب الله ورسوله ، فلما كانـت أسسه كذلك ، كان مصيره الهدم والتحريق لينهار بمؤسسيه في نار جهنم وبئس المصير.
فلذلك دعا اللهُ رسولَه صلى الله عليه وسلم، إلى الصلاة بالمسجد الذي أسس على التقوى من أول يوم.
قـال تعـالى:{لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ } [التوبة: 108]؛ فنهاه عن القيام فيه مع أَنه مسجد، لأنّ الأعمال ليست بصورها وأشكالها وحسب، وإنما هي بحقائقها وأصولها.
فلذلك كانت الدعوة والجماعة الحق التي أسست على التقوى من أول يوم، وهي الأحق على المسلم أن ينضمَّ إلى مسيرتها وَرَكْبها، هي دعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم والصحابة من السابقين الأولين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
قال تعالى:{وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [التوبة: 100].
وهذه الدعوة والجماعة مستمرة برجالها إلى يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم :"لا تزال طائفة من أمتي ، على الحق منصورة حتى يأتي أمر الله" أخرجه مسلم.
ولقد ضرب الله مثلاً، لهذا التأصيل الحق في قوله تعالى:{أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (24) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (25) وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ (26) يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 24 - 27].
فابتدأ الله سبحانه وتعالى بالتأصيل الحق وصفته، ثم بالتأصيل الباطل وصفته، ثم بثمرة كلا التأصيلين من الثبات وعدمه.
والكلمة الطيبة هي كلمة التوحيـد – لا إله إلا الله – وكل  دعوة لا تبنى على هذا الأصل العظيم ، فهي باطلة فاشلة، لأن التوحيد هو أول واجب وآخر واجب ، فهو البداية والنهاية ، لا ينفك عنه الداعي والمدعو.
وهذه الكلمة لها جذورها الثابتة في تربـة التقوى ، فكان فرعها في السماء عالياً، لا يهتز للفتن، ولا تحركـه الأهـواء والمصالح ، ولها ثمارها في كل حين ، في الحرب والسلم ، في مرحلة الضعف والقوة ، وفي السجن والانطلاق.
فلا يعرف صاحبها اليأس والقنوط، في كل حين له عمل إما بقلبه أو بلسانه أوبجوارحه، بخلاف تلك الشجرة الخبيثة التي لا جذور لها ولا أصول، فما أن تأتي أول فتنة، وإذ بها تُجتثُّ من فوق الأرض،  فلا تقوى على الثبات والصمود، وبهذا تعرف فائدة التأصيل.
قال رسول الله e:(إنما الأعمال كالوعاء، إذا طاب أسفلُه طاب أعلاه، وإذا فسد أسفلُـه فسـد أعلاه). أخرجه  أحمد، وابن ماجه، وهو في الصحيحة برقم 1734.
والتأصيلُ الحقُّ له ثمراته اليانعة في الحياة الدنيا والآخرة:

1- الثبات في الحياة الدنيا على المنهج الحق  وفي الآخرة على الصراط . قال تعالى :{ يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27]. قال الإمام مالك رحمه الله : " من أكثر الخصومات في الدين أكثر التنقل " لأن الخصومات مبنية على أصول فاسدة أو فرعيات غير منضبطة بأصل صحيح ، ومن هنا تجد طالب العلم غير المؤصل يكثر التنقل.

2- الفـلاح والنجـاح ،لأن التأصيل هو إتيان للأمور من أبوابها, كما قال تعالى :{وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [البقرة: 189]، فكل من سلك طريقاً وعمل عملاً وأتاه من أبوابه ، وطرقه الموصلة إليه، فلا بدَّ أن يفلح وينجح ويصل إلى غايته، ومن ضيع الأصول حُرم الوصول.

3- التأصيل فيه فائدة قطع المراحل بسرعة وثبات.
قيل للحسن: سَبَقَنـا القوم على خيلٍ دُهم ، ونحن على حُمُرٍ مُعْقرةٍ ؟ فقال : إن كنت على طريقهم فما أسرع اللحاق بهم.

4- العزة والرفعة كالشجرة التي ارتفعت بفرعها في السماء, بعد أن انطلقت جذورها وأصولها شاقة الأرض، {كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} (24) {تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [إبراهيم:24- 25].

5- السلامة من الانحراف والضلال، ولمّا كان التأصيل في الصحابة, قد بلغ فيهم القِدح المعلّى , لم تجد فيهم مبتدعاً زائغاً ضالاً , وإنما حدثت الأهواء والانحرافات من غيرهم, ممن لم يؤصل تأصيلهم , قال شيخ الإسلام في "الجواب الباهر" ص56-57: "إن الصحابة رضوان الله عليهم خير قرون هذه الأمة , التي هي خير أمّة أخرجت للناس , وهم تلقوا الدين عن النبي صلى الله عليه وسلم بلا واسطة , ففهموا منه مقاصده صلى الله عليه وآله وسلم , وعاينوا من أفعاله , وسمعوا منه شفاهاً , ما لم يحصل لمن بعدهم , وهم قد فارقوا جميع أهل الأرض وعادوهم , وهجروا جميع الطوائف وأديانهم , وجاهدوهم بأموالهم وأنفسهم ... ولهذا لم يطمع الشيطان أن ينالَ منهم من الإضلال والإغواء ممن بعدهم , ولم يكن منهم أحدٌ من أهل البدع المشهورة , كالخوارج والروافض والقدرية والمرجئة والجهمية بل كل هؤلاء إنما حدثوا فيمن بعدهم ".

6- إن التأصيل هو اختصارٌ للكثرة , واستفادةٌ من القلة , فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله , والصحابة لما أصّلوا فتحوا العالم , ولما تركنا التأصيل , أصبحنا غثاءً كغثاء السيل ..كثرةً من غير هيبة .

فتلكم هي بعض ثمرات التأصيل الحق ، بخلاف التأصيل الفاسد ، الذي هو شأن أهل البدع والضلال قديماً وحديثاً.

قال شيـخ الإسلام في"مجموع الفتاوى"16/440 : "وأَمَّا أهلُ البدع من أهل الكلام والفلسفة ونحوهم فهم لم يُثبتوا الحقَّ ، بل أصَّلوا أُصولاً تناقضُ الحق" .

وقال ابن القيم في"الصواعق المرسلة"1/341: " فهذه القواعد الفاسدة هي التي حملتهم على تلك التأويلات الباطلة ، لأَنَّهم رأوها لا تلائمُ نصوصَ الوحي".

ومجالات التأصيل كثيرة ، في منهج التغيير والتعامل مع الأحداث والفتن، وفي الدعوة إلى الله عز وجل، وفي طريقة طلب العلم، وغير ذلك من المجالات الشرعية التي تهم المسلمين في كل زمان ومكان.
 

  • ففي طريقة تغيير واقع الأمة فلا يمكن للأمة أن تنهض إلا بدراسة مشكلاتها، ثم وضع الحلول المناسبـة لها، ثم تنفيذ الخطوات عملياً، وفق المصالح الشرعية المعتبرة، وكل ذلك هو عملية تأصيل.

وحين لا تملك الأمة منهجاً فسيكون التغيير مبنياً على التجارب العشوائية ، والتعلم من خلال الخطأ والصواب، وهذا يعني عدم الاستفادة من الثوابت والمؤشرات ، التي أكرم الله بها هذه الأمة من خلال نصوص الكتاب والسنة.
إنَّ النهوض بالأمة من سباتها لتضمد جراحاتها، لا يكون ذلك إلا بوجود ثلة من المؤصَّلين علمياً تكون الأساس الذي ينطلق منه المجتمع الإسلامي، وذلك لأن التمكين الذي حصل للمجتمع الإسلامي الأول إنما قام على جهود المؤصلين من المهاجرين والأنصار, الذين صبروا وجاهدوا ، وأعزهم الله ونصرهم لأنهم نصروا دين الله عقيدة وعبادة وسلوكاً ومنهجاً, فجاء نصر الله جزاءً وفاقاً, بل عطاءً من ربك بغير حساب.

  • ومثل ذلك التأصيل في الدعوة، فإنَّ كل دعوة لا تقوم على أصل الأصول، على الكلمة الطيبة، كلمة لاإله إلا الله، هي دعوة باطلة. إن كلمة التوحيد قبل توحيد الكلمة , لأن توحيد الكلمة هو ثمرة لكلمة التوحيد، ولقد كانت هذه الكلمة أساس دعوة الأنبياء كلهم، قال تعالى:{وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36].

قال ابن القيم في"الصواعق المرسلة "1/151:"فأساس دعوة الرسل صلوات الله وسلامه عليهم معرفة الله سبحانه بأسمائه وصفاته وأفعاله ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان:
أحدهما : تعريف الطريق الموصلة إليه وهي شريعته المتضمنة لأمره ونهيه.
الثاني : تعريف السالكين ما لهم بعد الوصول إليه من النعيم الذي لا ينفد وقرة العين التي لا تنقطع".
ولابد للداعي من العلم مع الفهم، والعمل مع الاتباع، والدعوة مع الحكمة، والإخلاص مع الصمت، والصبر مع المراجعة.

  • ومن قضايا التأصيل: طريقة طلب العلم، الذي يعتبر أعظم الوسائل في تغيير الواقع، إذ أن الجهل هو أعظم أدواء الأمة، ولكن لابدَّ من أصول ينطلق منها طالب العلم حتى يحقق الغاية المطلوبة "ومن لم يتقن الأصول حُرم الوصول " .

وعليه لا بدّ في كل فنٍّ يطلبه طالب العلم من متن مختصر، يحققه ويفهمه على شيخ متقن ثم يجب أن يعلم ما هو العلم، الغاية منه والوسيلة، فالغاية هو علم الكتاب والسنة ، والوسيلة هو كلّ علم يوصلك إلى هذه الغاية، من علوم العربية والأصول، والمصطلح و غير ذلك .
وينبغي على طالب العلم أن يحرص على العلم كل الحرص، ويجتهد كل الاجتهاد في تحصيله، وأن يديمَ الاستعانة بالله في تحصيله، ويبدأ بالأهم فالأهم منه، ومن أهمه معرفة أصوله وقواعده التي تُرجع مسائله إليها، وهذا لأن معرفة القواعد من أقوى الأسباب لتسهيل العلم وفهمه وحفظه، لجمعها المسائل المتفرقة بكلام جامع.
فكلُّ بناءٍ سواءً كان حسياً أومعنوياً لا يمكن أن ينطلق في سماء الثبات والتطور ما لم يكن بني على أساس متين. 

المقالات المنشورة هي لأعضاء الهيئة، وتعبر عن آراء كاتبيها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي الهيئة